يدشن مجلس الأمن الدولي مع مطلع العام 2026 مرحلة مفصلية في تعاطيه مع ملف الصحراء المغربية، مدفوعا بتحول استراتيجي في موازين القوى داخل تركيبته غير الدائمة. هذا التغيير الجذري، الذي طوى صفحة “العرقلة الدبلوماسية” بمغادرة الجزائر للمجلس، يفتح الباب واسعا أمام دينامية جديدة تقودها كتلة وازنة من الدول الصديقة كالبحرين والكونغو الديمقراطية وليبيريا؛ وهي دول تجاوزت منطق التأييد اللفظي إلى تكريس الاعتراف بمغربية الصحراء عبر افتتاح قنصليات لها في الأقاليم الجنوبية، مما يعزز من فرص الحسم النهائي لهذا النزاع الإقليمي الذي طال أمده.
وتوفر هذه “الخارطة الجيوسياسية” الجديدة، المتزامنة مع المكتسبات التي أرساها القرار الأممي رقم 2797، أرضية صلبة للدبلوماسية المغربية لاستثمار هذا الزخم الدولي غير المسبوق. فمع تثبيت مبادرة الحكم الذاتي كأساس وحيد للحل، وتولي دولة حليفة كالبحرين رئاسة المجلس في شهر أبريل المقبل، تتجه المؤشرات نحو تجاوز مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة البحث الجدي عن تسوية سياسية نهائية، مدعومة بتوافق دولي متنام يعزل الطروحات الانفصالية ويؤسس لمقاربة واقعية تُنهي عقوداً من الجمود.
وتعليقا على الموضوع، أكد الخبير في قضايا الصحراء ورئيس منظمة “أفريكا ووتش”، عبد الوهاب الكاين، في تصريح لجريدة “العمق”، أن المتتبعين للشأن الدولي يجمعون على أن أشغال مجلس الأمن الدولي للسنة الجارية ستشهد تغيرات جذرية في علاقة بالتداول في الملفات المسجلة في جدول أعماله السنوي، والمرتبطة أساسا بحل النزاعات بطرق سلمية في إطار البند السادس للميثاق، وذلك لتضافر عدد من الظروف والسياقات التي من شأنها تسريع وتيرة اتخاذ قرارات حاسمة للفصل النهائي في بعض القضايا التي عمرت برفوف المجلس لعقود دون التمكن من حلها أو تقريب وجهات نظر أطرافها، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
وأوضح الكاين أن مجلس الأمن اختتم أعماله لسنة 2025 بمغادرة خمسة أعضاء غير دائمين، من بينهم الجمهورية الجزائرية، بعد معارك دبلوماسية ضارية خاضتها قبل وبعد اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797، في سعي منها إلى التأثير على اتجاهات الرأي الدولي والحفاظ على الجمود المطول الذي خيم على ملف الصحراء المغربية منذ خمسة عقود، والبحث عن منافذ لإضعاف الزخم الدبلوماسي والسياسي الذي حازت عليه المملكة المغربية في السنوات الأخيرة، وما يشهده مسار البحث عن حل سياسي للنزاع المفتعل من تطورات إيجابية تدعم مطالبات المغرب لبسط سيادته على أقاليمه الجنوبية.
وكشف المتحدث ذاته أن مجلس الأمن شهد تحولا استراتيجيا في موازين القوى وتغيرات في التركيبة غير الدائمة في بداية يناير 2026، حيث تولى خمسة أعضاء جدد غير دائمين مقاعدهم لفترة عامين، وهم البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا، حيث حلت هذه الدول محل الجزائر وغيانا وكوريا الجنوبية وسيراليون وسلوفينيا، مشيرا إلى أنه يتضح من خلال قراءة سريعة للخريطة الجيوسياسية الجديدة ومختلف مواقف أعضاء مجلس الأمن من قضية الصحراء، أن البحرين والكونغو الديمقراطية وليبيريا لا تعترف فقط بسيادة المملكة المغربية على صحرائها، بل جسدت هذا الاعتراف بشكل ملموس من خلال فتح قنصليات في العيون والداخلة، وهو ما يمثل سابقة دبلوماسية وقانونية مهمة في منظومة الأمم المتحدة.
وأضاف رئيس منظمة “أفريكا ووتش” أن هذا التحول يأتي في وقت تعترف فيه الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه، وأكدت أن خطة الحكم الذاتي المغربية هي الأساس الوحيد لحل عادل ودائم للنزاع، بالإضافة إلى إشرافها على صياغة القرار 2797، علاوة على تأكيد كل من فرنسا والمملكة المتحدة كأعضاء دائمين لدعمهما الواضح للمقترح المغربي للحكم الذاتي المقدم عام 2007 باعتباره الحل الأكثر واقعية، معتبرا أن مجلس الأمن في تركيبته الجديدة يشكل دفعا جديدا لمسارات البحث الجدي عن حل سياسي في إطار الالتزامات الواردة بقرار مجلس الأمن رقم 2797، والمتعلقة أساسا بالانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية وبدون شروط مسبقة وبدعم المجتمع الدولي وإشراف أممي.
وبين الخبير ذاته أن هذا الزخم لا يزداد وهجا فقط بمواقف الدول المؤيدة للموقف المغربي من النزاع أو المعترفة بالسيادة المغربية على الصحراء، بل يتعزز كذلك بمواقف الدول الأعضاء المؤيدة لخطة الحكم الذاتي أو المحايدة إيجابيا، لأن من شأن اعتبار اليونان والدنمارك مقترح الحكم الذاتي مخططا جادا وذا مصداقية أن يعزز هذا التوجه، وعلى هذا الأساس، ونظرا لتعاظم الدعم الدولي لمواقف المملكة المغربية من النزاع وتعزيزا لجهود المغرب الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء سلمي لنزاع الصحراء المفتعل، صوتت بنما والصومال لصالح القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، مما يعكس موقفا داعما للمقاربة المغربية، في حين تنحو كولومبيا ولاتفيا منحى المحافظة على حياد رسمي، لكنهما تعملان ضمن أطر التحالف الغربي التي تنظر بشكل متزايد إلى خطة الحكم الذاتي المغربية كآلية حل وحيدة قابلة للتطبيق.
واسترسل الكاين في تحليله، مشيرا إلى أنه بالرغم من امتناع باكستان والصين وروسيا عن التصويت على القرار، إلا أن عدم التصويت ضده يعني دعم خطة الحكم الذاتي المغربية، لأن القرار الأممي أحدث نقطة تحول تاريخية وأوجد مكاسب رئيسية تتمثل في اعتماد خطة الحكم الذاتي كأساس وحيد، بالإضافة إلى تسمية الجزائر كطرف مباشر، وإغفال مطلب الاستفتاء، وتمديد ولاية المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026، وهو ما منح فرصا استراتيجية للدبلوماسية المغربية، وفي مقدمتها المزايا الإجرائية المتمثلة في رئاسة البحرين لشهر أبريل القادم، حيث ستتولى رئاسة مجلس الأمن، وهو توقيت حاسم يتزامن مع إحاطة الأمين العام الدورية حول العملية السياسية.
وأكد المحلل ذاته أن تلك الصفة ستمنح البحرين السيطرة على جدول الأعمال، بما يشمل تشكيل الأجندة وتسلسل المداخلات، وإدارة المشاورات المغلقة كتوجيه الحوارات بين الأعضاء، علاوة على تأطير النقاش العام وتقديم البيانات الرسمية التي من المتوقع أن تدعم موقف المملكة المغربية، بالإضافة إلى التحضير لأكتوبر 2026، المنتظر أن يشكل محطة حاسمة باتخاذ قرار حاسم متوقع تحت رئاسة يونانية، المتميزة بعلاقات مستمرة مع المغرب، معتبرا أن غياب الجزائر من فضاء الفعل في اجتماعات مجلس الأمن وسير أشغاله لمدة سنتين قادمتين يعد بداية لإنهاء العرقلة المباشرة لجهود المغرب في إنهاء مشكلة طال انتظار حلها، باعتبار المجلس الآلية المؤسسية الرئيسية التي ركزت من خلالها الجزائر على شن حملاتها على المملكة المغربية في علاقة بنزاع الصحراء المغربية.
وخلص الكاين إلى أنه بقدر ما يمنح الزخم الدولي المتزايد لمغربية الصحراء ولوجاهة خطة الحكم الذاتي واعتماد قرار تاريخي في صالح المملكة المغربية وبروز تركيبة جديدة لأعضاء مجلس الأمن داعمة للموقف المغربي إجمالا، إلا أن الحكمة تستدعي تملك استراتيجيات للاستفادة من الواقع الجديد بمجلس الأمن، عبر الاستثمار في العلاقات الثنائية من خلال تعميق العلاقات مع البحرين والكونغو الديمقراطية وليبيريا، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية مع الدول الأعضاء، إلى جانب تملك أدوات ضغط فعالة على الدول المحايدة كالصين وروسيا بمواصلة الحوار لتحويل الامتناع إلى دعم، وتقديم حوافز اقتصادية واستراتيجية لتعزيز المواقف الإيجابية، علاوة على التنسيق مع الأعضاء الدائمين الداعمين بالعمل الوثيق مع واشنطن وباريس ولندن لصياغة القرارات القادمة وضمان استمرارية اللغة الداعمة في التقارير الأممية.
ودعا المتحدث في ختام تصريحه إلى الدفع في هذا السياق الإيجابي بدبلوماسية اقتصادية تتوكأ على التأييد الدولي المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، في أفق العمل على جذب استثمارات أجنبية إضافية والإسراع بمسارات التنمية في الصحراء المغربية، إضافة إلى تحقيق استفادة جوهرية من المراجعة الاستراتيجية بشأن الولاية المستقبلية للمينورسو المزمع إجراؤها في أبريل القادم برئاسة بحرينية، وهي فرصة ثمينة لفرض إعادة تشكيل دور البعثة الأممية، ملاءمة مع محددات القرار الأممي الأخير الذي يستند إلى جعل مقترح الحكم الذاتي أساسا لأي حل سياسي مستقبلي لنزاع الصحراء المغربية.
المصدر:
العمق