أكد السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، أن مشروع “مغرب الذكاء الاصطناعي 2030” لا يقتصر على كونه ورشاً تقنياً أو تكنولوجياً صرفاً، بل يشكل اختياراً استراتيجياً ذا أبعاد جيوسياسية وتنموية عميقة، يضع المغرب في موقع نموذج مرجعي على مستوى القارة الإفريقية، من خلال تقديم بديل واقعي ومسؤول للتبعية التكنولوجية للشركات الدولية الكبرى، ومؤهلاً لأن يتحول إلى “قصة نجاح” رقمية إفريقية ذات إشعاع دولي، وفق تعبيره.
وأوضح هلال، في كلمة ألقاها صباح الإثنين بالرباط، خلال حدث إطلاق خارطة طريق “الذكاء الاصطناعي بصنع في المغرب “AI Made in Morocco”، أن هذه المبادرة تكرس ما وصفه بـ”عقيدة رقمية جديدة”، قادرة على التحول إلى قوة ناعمة دبلوماسية تعزز الحضور الدولي للمملكة، مؤكداً أن التجربة المغربية في مجال الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والمسؤول تمتلك جميع المقومات لفرض نفسها كنموذج بديل داخل الفضاء الإفريقي وخارجه.
وأكد هلال أن المغرب اختار التحرك باستباقية في هذا السياق الدولي المتحول، عبر مشروع “الذكاء الاصطناعي بصنع في المغرب 2030″، الذي يهدف إلى تمكين المملكة من إتقان الأدوات الرقمية الحديثة، وبناء اقتصاد رقمي تنافسي، وتحقيق نمو مستدام قائم على الابتكار، مع الاستجابة للحاجيات الوطنية والانفتاح على الشراكات الدولية.
وقال هلال: “إن مشروع مغرب الذكاء الاصطناعي 2030 يتجاوز بكثير الرهانات التقنية؛ فهو يضع المغرب كنموذج للقارة الإفريقية من خلال تقديم بديل للتبعية التكنولوجية للشركات الدولية الكبرى. ومن شأن هذه العقيدة الرقمية أن تتسع لتصبح قوة ناعمة دبلوماسية تعزز الإشعاع الدولي للمملكة”.
وأعرب السفير المغربي عن اعتزازه بالمشاركة في هذا اللقاء الرفيع المستوى المخصص لتقديم مشروع “الذكاء الاصطناعي بصنع في المغرب”، باعتباره رافعة مركزية للتحول الرقمي في الخدمات العمومية، موجهاً شكره لوزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، غيثة مزور، على دعوته للمشاركة في حدث وصفه بالمفصلي لمستقبل المغرب الرقمي.
واعتبر هلال أن توقيت تقديم مشروع “مغرب الذكاء الاصطناعي 2030” يكتسي أهمية خاصة، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها هذا القطاع عالمياً، مسجلاً أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة التوقعات إلى مرحلة التحول الجذري.
وأشار في هذا السياق إلى أن الاستثمارات الخاصة في هذا المجال تجاوزت 202 مليار دولار سنة 2023، وأن نماذج التعلم الآلي انتقلت في ظرف عام واحد من أنظمة بمعيارين حسابيين إلى نماذج تفوق التريليون، في وقت يشهد فيه أداء الحوسبة الفائقة نمواً سنوياً يناهز 150 في المائة منذ 2019.
وسلط السفير الضوء على البعد الجيوسياسي المتصاعد للذكاء الاصطناعي، مبرزاً أن 60 في المائة من المواهب العالمية تتركز داخل كبريات الشركات التكنولوجية الأمريكية، في حين تعرف براءات الاختراع توزيعاً غير متكافئ، مقابل استحواذ الصين على أكثر من نصف الطلبات العالمية، وسيطرتها على 80 في المائة من المواد الخام الاستراتيجية.
وأضاف أن سيادة البيانات أصبحت محوراً أساسياً داخل الاتحاد الأوروبي من خلال قانون الذكاء الاصطناعي، بينما تتجه الولايات المتحدة والصين نحو نماذج قومية قائمة على “السحابة السيادية”.
وفي ما يخص إفريقيا، أشار هلال إلى أن القارة لا تضم سوى أقل من 200 مركز بيانات تشغيلي، أي ما يعادل بالكاد 2 في المائة من القدرة العالمية، مقارنة بأزيد من 10 آلاف منشأة على المستوى الدولي، معتبراً أن هذه الفجوة تطرح تحديات سيادية وتنموية حقيقية.
وفي هذا السياق، سجل أن 74 دولة عبر العالم اعتمدت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، مبرزاً أن المغرب يحتل المرتبة الرابعة إفريقياً، ضمن 45 في المائة من دول الجنوب العالمي التي تعطي الأولوية للبنية التحتية، والبحث في الحوسبة عالية الأداء والنماذج المتقدمة، رغم أن إفريقيا لا تستقطب حالياً سوى 1.5 في المائة من الاستثمارات العالمية، وهو ما يعكس، بحسبه، الحاجة الملحة إلى تعاون دولي أكثر عدلاً وتوازناً.
وأوضح أن شبكة “معاهد الجزري” ستشكل الأداة المحورية لتنزيل هذه الخارطة الاستراتيجية، من خلال تحويل التوجهات العامة إلى مشاريع ملموسة، وفتح آفاق جديدة في مختلف القطاعات، مؤكداً أن أهمية المشروع تكمن في قدرته على تحويل هيمنة الشركات التكنولوجية الكبرى إلى فرصة جيوسياسية لصالح المغرب.
وفي هذا الإطار، شدد على أن خيار المملكة واضح، ويتمثل في جعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية المستدامة، وأداة للتعاون التضامني، ووسيلة للإشعاع التكنولوجي الدولي، مع تقليص الفوارق الرقمية داخل الدول الشريكة وفي ما بينها.
وأوضح هلال أن الاستراتيجية الوطنية ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، في مقدمتها تطوير ذكاء اصطناعي سيادي، يقوم على التحكم الكامل في البنية التحتية الوطنية، خصوصاً من خلال “السحابة السيادية” التي شرع في نشرها تدريجياً منذ 2025، بما يضمن تخزين ومعالجة البيانات داخل التراب الوطني، وحمايتها من المخاطر الأمنية المرتبطة بالاعتماد على خوادم أجنبية.
وفي الشق المتعلق بالتعاون الدولي، أبرز أن الاستراتيجية المغربية، المنبثقة عن توجيهات الملك محمد السادس، تقوم على نموذج تضامني ومتعدد الأبعاد، يتجسد في ثلاثية متكاملة تشمل التعاون جنوب–جنوب، من خلال تطوير حلول رقمية ملائمة للواقع المحلي وتسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ والتعاون شمال–جنوب، عبر نقل التكنولوجيا، كما هو الشأن في الاتفاقيات الموقعة مع شركات دولية كبرى، من بينها Mistral AI وOracle وHuawei وNvidia؛ ثم التعاون الثلاثي الذي يدمج تكنولوجيا الشمال بالخبرة المغربية لفائدة العالم العربي وإفريقيا.
وفي ما يخص التمويل، اعتبر هلال أن المغرب قادر على استلهام تجربته في “الصندوق الأخضر للمناخ” داعياً إلى التفكير في إحداث “صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي” برأسمال أولي يناهز 3 مليارات دولار، لدعم تنفيذ هذه الرؤية الطموحة.
وختم السفير المغربي بالتأكيد على أن الدبلوماسية المغربية تنخرط بقوة في الترويج لهذا النموذج، مذكراً بأن المغرب تم اختياره من قبل الولايات المتحدة لتقديم أول قرار أممي بشأن الذكاء الاصطناعي، والذي جرى اعتماده في مارس 2024، في خطوة تعكس موقع المملكة كفاعل موثوق في النقاش العالمي حول حكامة الذكاء الاصطناعي.
المصدر:
العمق