آخر الأخبار

إيران والضغط الأميركي.. دروس التاريخ وحدود الرهان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالخيار العسكري لدعم الاحتجاجات في إيران مجرد تصعيد لفظي، بل تحوّل سريعا إلى عنصر ضاغط داخل معادلة داخلية شديدة الحساسية، تختبر فيها طهران وواشنطن معا حدود التأثير المتبادل بين الشارع والسياسة، والاحتجاج والتدخل الخارجي.

فبينما أرادت الإدارة الأميركية إظهار نفسها في موقع "حامي المتظاهرين"، بدا أن هذا الخطاب، كلما اقترب من لغة القوة، أعاد إنتاج واحدة من أقدم معضلات الداخل الإيراني: كيف يتحول الضغط الخارجي من أداة إضعاف للنظام إلى رافعة تماسك له، ولو مؤقتا؟

هذه الإشكالية شكلت جوهر النقاش في برنامج "ما وراء الخبر"، حيث انقسم المحللون حول ما إذا كانت واشنطن تدرك فعليا طبيعة المجتمع الإيراني، أم أنها أسقطت عليه نماذج جاهزة من تجارب أخرى، راهنت فيها على أن التهديد العسكري يسرّع الانهيار السياسي.

الباحث المختص في القضايا الإقليمية حسين ريوران، الذي شارك من طهران، قدّم قراءة تنطلق من داخل هذه المعادلة، معتبرا أن التلويح الأميركي بالتدخل العسكري لا يُضعف النظام بقدر ما يعيد ترتيب المشهد لصالحه، فوفق هذا المنطق يتحول الصراع من مواجهة بين شارع وسلطة إلى مواجهة بين دولة وخصم خارجي.

هذا التحول، كما يرى ريوران، ليس تفصيلا عابرا بل جزء من خبرة تراكمية لدى النظام الإيراني، أثبتت -بحسبه- أن أي تهديد خارجي واسع يدفع قطاعات اجتماعية مترددة إلى الاصطفاف خلف الدولة، لا بدافع القناعة السياسية، بل خوفا من الفوضى أو الحرب.

رهان خاسر

في المقابل، يرفض رئيس مركز الدراسات العربية الإيرانية في لندن الدكتور علي نوري زاده هذا التوصيف، ويرى أن الرهان على "وحدة الداخل" تحت وطأة التهديد الخارجي لم يعد صالحا كما في العقود الماضية.

فالنظام الإيراني اليوم، وفق تحليله، يواجه جيلا جديدا تجاوز منطق التعبئة الأيديولوجية، ولم يعد يرى في الخارج خطرا يفوق ما يراه في بنية الحكم نفسها.

إعلان

هذا التناقض بين القراءتين لا يقتصر على توصيف الشارع، بل يمتد إلى تقييم جدوى الإستراتيجية الأميركية نفسها، فهل تدرك واشنطن أن خطابها، مهما حمل من شعارات أخلاقية، قد يخدم رواية النظام عن "المؤامرة الخارجية" أكثر مما يخدم المحتجين؟

من واشنطن، عكس المحلل الإستراتيجي في الحزب الجمهوري أدولفو فرانكو جانبا من هذا الارتباك، حين أقر بأن الإدارة الأميركية تمشي على حبل مشدود بين دعم المحتجين وتجنب منح النظام ذريعة لتدويل الأزمة.

هذا التوازن الهش، بحسب منطقه، يفسر تعدد الخيارات المطروحة، من الضغط السيبراني إلى الضربات المحدودة.

لكنّ هذا التعدد في الخيارات، بدل أن يعكس وضوحا إستراتيجيا، قد يكون مؤشرا على غياب تصور نهائي لدى واشنطن حول مآلات التصعيد.

فالإدارة الأميركية، وهي تلوّح بالقوة، تبدو مدركة في الوقت ذاته أن أي انزلاق غير محسوب قد يعيد إنتاج سيناريو "حرب الـ12 يوما"، التي أفضت -ولو مؤقتا- إلى تماسك داخلي إيراني.

ضغط يتحول لفرصة

هنا تبرز المفارقة الأساسية التي تناولها البرنامج كذلك، فما تعتبره واشنطن ورقة ضغط قد يتحول، في السياق الإيراني، إلى عامل إنقاذ سياسي، فالنظام، الذي يواجه أزمة شرعية واقتصادا خانقا، يجد في التهديد الخارجي فرصة لإعادة تعريف الصراع، ونقل مركزه من الداخل إلى الخارج.

هذه القراءة تتقاطع مع تحذيرات أطلقها أكثر من متابع دولي، تشير إلى أن إسقاط الأنظمة عبر الضغط الخارجي نادرا ما ينجح في مجتمعات ذات حساسية تاريخية عالية تجاه التدخل الأجنبي، خصوصا عندما يغيب البديل السياسي الواضح والمنظم في الداخل.

ورغم حديث واشنطن عن تواصلها مع أطراف من المعارضة الإيرانية، فإن هذه الورقة بدت، في النقاش، محدودة التأثير، فحتى منتقدو النظام أقرّوا ضمنيا بأن المعارضة الخارجية مهما ارتفع صوتها، لا تملك أدوات حقيقية لقيادة الشارع، ولا تصورا جامعا لمرحلة ما بعد النظام.

وعليه، فإن شعار "سقوط النظام"، حين يُرفع من الخارج، قد يفقد قدرته التعبوية داخل إيران، ويتحول إلى عبء على الحراك نفسه، عبر ربطه بأجندات خارجية لا تحظى بإجماع شعبي.

اللافت أن طهران، بالتوازي مع خطاب التحدي، أبقت باب الحوار مواربا، في رسالة مزدوجة تعكس ثقة نسبية بقدرتها على إدارة التصعيد، ويعزز هذا السلوك فرضية أن النظام لا يرى في التهديد الأميركي خطرا وجوديا بقدر ما يراه ورقة يمكن توظيفها داخليا وخارجيا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا