آخر الأخبار

الفتنة الصامتة داخل التنظيمات: قراءة في أعطاب التدبير الجهوي

شارك

د. جمال العزيز

ليس أخطر على العمل الحزبي الجهوي من أن يتحول من أداة للتأطير والإقتراح إلى فضاء مغلق تحكمه الحسابات الضيقة و المناورة، ويُستبدَل المناضل بالمريد.

لقد عانى عدد من المناضلين في صمت، من تدبير يقوم على منطق الفتنة المغلفة بالمصداقية، والكذب المموه بالنفاق. وهنا يبدأ النزيف: صنع روايات، وترويج تأويلات وأساطير هوليودية فيتحول الحزب من فضاء ثقة إلى مجال توجس دائم في اللايقين.

الأخطر من ذلك هو ذاك التدبير الغريب والعجيب الذي لا يمكن تصنيفه ضمن مدرسة سياسية واضحة؛ فلا هو تدبير ديمقراطي مؤسسي، ولا هو قيادة كاريزمية صريحة، لكن خليط هجين يغذي الأحقاد الصغيرة ويستثمر في سوء الفهم. إنه تدبير يقتات على الصمت، ويستمد قوته من خوف البعض وتردد البعض الآخر.

وفي عمق هذا المشهد، يطفو منطق الإمتيازات الموروثة والسلطة الوهمية. كأن الإنتماء الحزبي إرث عائلي، أو كأن المواقع التنظيمية ملكية خاصة لا يجوز الإقتراب منها. تتكرس سلطة رمزية لا تستند إلى الإنجاز ولا إلى الكفاءة، لكن إلى أسبقية الإنبطاح والتسليم أو قرب المسافة ؛ فيختزل التنظيم في دوامة التيه والخرافات.

أما المناضلات والمناضلين (ماشي النكافات) فغالبا ما يواجهون منطق التطويق ويحاطون بسياج غير مرئي من التوازنات المصطنعة. وتُدفَع إلى الهامش أو إلى خارج التنظيم.

ولا يتوقف منطق التطويق عند المناضلين و الكفاءات الصاعدة فحسب، لكن يمتد ( في بعض الحالات ) إلى أعلى هرم القيادة. حين يُنتخَب رئيس جديد للحزب بأمل تجديد الروح وضخ نفس إصلاحي، يُفترَض أن يُفتَح أمامه المجال للتواصل المباشر مع المناضلين الحقيقيين، والإنصات إلى نبض القواعد دون وصاية أو تصفية مسبقة للمعلومة. غير أن ما يحدث أحيانا هو حصار وتطويق بقنوات تواصل مفلترة وتقارير منتقاة، و مشاهد معدة سلفا. فيتحول الرئيس إلى متلق لرواية واحدة عن الواقع. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: يُرفَع شعار الطمأنة والدعم، بينما يتم عمليا عزل القيادة.

وفي محطة التزكيات، تتجلى الأزمة بوضوح أكبر. حين تتحول التزكية من أداة للترشيح إلى وسيلة لمكافأة الولاء، أو لضبط التوازنات الشخصية، مما يفقدها مشروعيتها الأخلاقية والسياسية. التزكيات الفاسدة لا تُنتِج تمثيلية قوية، لكن تُنتِج هشاشة تنظيمية واحتقان صامت.

ثم يأتي منطق الريع والوطنية الزائفة؛ حيث يُلبَس الإمتياز لباس التضحية، ويُرفَع شعار الوطنية لتبرير إقصاء الأصوات الناقدة.

وفي هذا السياق الوطني الدقيق، لا يمكن فصل إصلاح التدبير الحزبي الجهوي عن التحولات الكبرى التي تعرفها قضية وحدتنا الترابية. فالمؤشرات السياسية والدبلوماسية المتراكمة توحي بقرب بزوغ انفراج واقعي وحتمي في ملف الصحراء المغربية، في أفق تكريس مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد وجدي وذي مصداقية يحظى بتفهم دولي متنام.

غير أن هذا التحول التاريخي يفرض على النخب الحزبية، خصوصا على المستوى الجهوي، أن تكون في مستوى اللحظة. إذ لا معنى لأي انتصار دبلوماسي إذا ظل التدبير الداخلي أسير أعطاب تعطل المسار التنموي أو رهين حسابات ضيقة تُضعِف الجبهة الداخلية.

إن المرحلة تقتضي استعجالية استئصال كل الأورام التنظيمية التي تعيق الفعالية والنجاعة، والإنخراط الجاد والفعلي في التوجهات الملكية المتبصرة التي ما فتئت تؤكد على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى جعل التنمية رافعة لترسيخ السيادة وتعزيز الثقة. فالمغرب وهو يقترب من حسم استراتيجي في قضيته الوطنية الأولى، يحتاج إلى تنظيمات قوية، شفافة في اختياراتها، ومؤمنة بأن معركة البناء الداخلي لا تقل أهمية عن معركة الترافع الخارجي.

إن ترسيخ آليات ديمقراطية داخلية شفافة، تقوم على تقييم دوري للأداء الجهوي، ونشر تقارير تنظيمية واضحة، يمثل خطوة أساسية حتى لا يبقى القرار حبيس شخص وحيد.

ويظل اعتماد معايير موضوعية في التزكيات، مبنية على الكفاءة والحضور الميداني والنزاهة وقابلية تمثيل انتظارات المواطنين، شرطا ضروريا لإعادة الثقة، خاصة إذا اقترن ذلك بإشراك القواعد في آليات استشارية حديثة تعزز الإحساس بالإنتماء والمشاركة.

كما أن الإستثمار في تكوين القيادات الجديدة، تنظيميا وفكريا وأخلاقيا ،يضمن تشكل جيل يؤمن بأن السياسة خدمة عامة ومسؤولية أخلاقية، لا مسارا للإمتياز أو الوجاهة والعام زين.

إن العمل الحزبي الجهوي لا يمكن أن يستمر بمنطق التحكم الناعم أو الولاءات الحربائية الصامتة. المرحلة تفرض نخبا قادرة على الإصغاء و تحويل التنظيم إلى مدرسة للمواطنة والفعل السياسي المسؤول.

التاريخ السياسي لا يرحم التنظيمات التي تتقوقع على ذاتها. والمناضلون الحقيقيون لا يطلبون أكثر من وضوح في الرؤية، وعدالة في الفرص، وصدق في الخطاب. أما من يراهن على الخرافات، أو على احتكار القرار، أو على وهم السلطة الدائمة، فليتذكر أن السياسة في جوهرها حركة تجدد مستمر.

وحده الحزب الذي يصالح نفسه مع قيم الشفافية والإنصاف، ويؤمن بأن الكفاءة تعلو على الإمتياز و الريع، وبأن الإختلاف يُؤطِّر، و هو القادر على استعادة ثقة المناضلات والمناضلين، وثقة المجتمع ؛وفي ذلك، تكمن معركة المستقبل.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا