آخر الأخبار

إمارة المؤمنين.. هندسة الأمن الروحي وصناعة نموذج ديني عابر للحدود (فيديو)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

هبة بريس – أحمد صبار

في حلقة عميقة من بودكاست “هبة” على موقع هبة بريس، قدم الباحث في الشؤون السياسية والقضايا الدينية الدكتور عبد النبي عيدودي قراءة تحليلية رصينة لمسار إصلاح الحقل الديني بالمغرب، واضعا مؤسسة إمارة المؤمنين في قلب التحولات التي شهدها المغرب خلال العقدين الأخيرين، في حديث لم يكن توصيفا تقنيا لإجراءات إدارية، بل تفكيكا لمشروع دولة أعاد هندسة المجال الديني بمنطق استراتيجي بعيد المدى.

اعتبر عيدودي أن إمارة المؤمنين في السياق المغربي المعاصر ليست مجرد امتداد تاريخي لبيعة تقليدية، بل مؤسسة دستورية تضطلع بوظيفة تنظيمية ضامنة لوحدة المرجعية الدينية، وفي ظل التحولات الداخلية والرهانات الدولية، تحولت هذه المؤسسة إلى صمام أمان يحمي الثوابت الدينية من التسييس، ويؤطر المجال الديني بعيدا عن الفوضى الفقهية أو التوظيف الإيديولوجي.

ويجد هذا التصور تجسيده الدستوري في شخص أمير المؤمنين، الملك محمد السادس، بصفته الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية وحامي الملة والدين، بما يزاوج بين الشرعية الدينية والشرعية الدستورية في آن واحد.

لم يكن إطلاق ورش إعادة هيكلة الحقل الديني، حسب عيدودي، مجرد رد فعل ظرفي على أحداث معزولة، بل تعبيرا عن وعي مبكر بضرورة تحصين الأمن الروحي للمغاربة، مع التأكيد على أن التحولات الدولية بعد أحداث مطلع الألفية الثالثة سرعت من وتيرة الإصلاح، لكن المشروع في جوهره كان رؤية استراتيجية لإعادة بناء الحقل الديني على أسس مؤسساتية واضحة، فتمت إعادة هيكلة المجالس العلمية، وتعزيز دور مؤسسة المجلس العلمي الأعلى باعتبارها الجهة الوحيدة المخول لها إصدار الفتوى الرسمية، بما أنهى حالة تعدد المرجعيات التي كانت تفتح الباب أمام خطاب ديني متشظٍ.

من أبرز آليات تنزيل الإصلاح، حسب المتحدث، إعادة تنظيم الحقل الديني عبر تقوية شبكة المجالس العلمية المحلية، ضبط الفتوى داخل إطار مؤسساتي موحد، تأهيل المساجد وتأطير الخطباء، الاستثمار في التكوين الأكاديمي والديني.

وفي هذا السياق، برز دور معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات كمؤسسة استراتيجية لا تكتفي بتكوين الأئمة المغاربة، بل تستقبل طلبة من إفريقيا وأوروبا، بما يعكس بعدا دبلوماسيا دينيا للنموذج المغربي.

المعهد، كما أكد عيدودي، لا يلقن فقط علوم الشريعة، بل يدمج علوم الاجتماع والتواصل ومكافحة التطرف، في إطار تكوين يستحضر الثوابت الدينية المغربية المتجلية في المذهب المالكي، العقيدة الأشعرية والتصوف السني.

على المستوى الداخلي، أبرز عيدودي أن المغرب نجح في ترسيخ مفهوم “الأمن الروحي” كمقوم من مقومات الأمن القومي، توحيد الفتوى، تأطير المساجد، وتحصين الفضاء الديني من التيارات المتشددة، كلها عناصر أسهمت في تعزيز الاستقرار المجتمعي وتقليص منسوب الخطاب المتطرف، فلم يعد المجال الديني ساحة مفتوحة للتجاذبات السياسية أو الحزبية، بل أصبح مجالا منظما بقواعد واضحة، تحت إشراف مؤسسة إمارة المؤمنين.

دوليا، يرى عيدودي أن التجربة المغربية تحولت إلى مرجع تستلهم منه عدة دول، خصوصا في إفريقيا وأوروبا، فالتعاون الديني الذي يقوده المغرب في دول الساحل الإفريقي يقوم على تكوين الأئمة ونشر خطاب ديني معتدل، بعيد عن الاستقطابات الأيديولوجية، أما في أوروبا، فيشكل النموذج المغربي سندا للجاليات المسلمة الباحثة عن تأطير ديني منسجم مع قيم المواطنة والاندماج، دون التفريط في الهوية.

ما يميز الإسلام المغربي، حسب عيدودي، هو توازنه التاريخي بين الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي ثلاثية منحت التدين المغربي مرونة فقهية وعمقا روحيا وحصانة فكرية ضد النزعات التكفيرية، هذا التوازن مكن المغرب من بناء علاقة متوازنة مع دول الشرق الأوسط، بعيدا عن الاستقطابات الحادة التي طبعت المنطقة خلال العقود الأخيرة.

في عالم يشهد تراجع الأيديولوجيات الكبرى وصعود النزعات الشعبوية، تبرز إمارة المؤمنين كنموذج مؤسساتي حافظ على استمراريته بفضل قدرته على التكيف دون التفريط في الثوابت، كما يرى عيدودي أن سر هذا الصمود يكمن في الجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية الدستورية، حيث لا تستعمل المرجعية الدينية في الصراع السياسي، بل توظف لضمان وحدة الأمة واستقرارها.

ساهم هذا النموذج، وفق قراءة الباحث، في تحصين المجتمع المغربي من موجات التطرف والعنف الرمزي، عبر مقاربة تقوم على الوقاية الفكرية قبل المعالجة الأمنية، أما مستقبل إمارة المؤمنين في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، فيرتبط، بحسب عيدودي، بقدرتها على تطوير أدوات التواصل والتأطير، خاصة في الفضاء الرقمي الذي أصبح ساحة مركزية لتشكيل الوعي الديني.

ما راكمه المغرب خلال عشرين سنة من إصلاح الحقل الديني لم يكن مجرد تحديث إداري، بل إعادة تعريف لدور الدين في المجال العام، ضمن هندسة مؤسساتية متماسكة تقودها إمارة المؤمنين، نموذج يجمع بين الأصالة والتحديث، ويطرح نفسه اليوم كأحد أكثر التجارب استقرارا في محيط إقليمي ودولي مضطرب.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا