هبة بريس – شفيق عنوري
لم يعرف الجزائريون معنى التعددية الحزبية إلا بعد سنة 1989، إذ ظل نظام الحزب الواحد هو السائد. رؤساء البلاد كان يعتبرون أن “الأحزاب بضاعة فاخرة” لا تصلح لـ”بلد متخلف”، وأن التعددية “ألاعيب أوروبية” لا يمكن السماح بها لجماهير “بائسة وأمية”.
“من الخيمة خرج مايل”..
في خريف 1988، أجبرت الاحتجاجات التي اندلعت، قادة المؤسسة العسكرية والرئاسة، على إعلان إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية ودستورية كبيرة، بما فيها إقرار التعددية، والسماح بتأسيس الأحزاب، ودعوة معارضي الخارج إلى العودة.
بعدها تم إجراء أول انتخابات في تاريخ الجزائر، في يونيو 1990، ويتعلق الأمر بالاقتراع الجماعي، لتأتي النتائج مناقضة تماماً لما كانت جبهة التحرير تُروّجه طوال عقود بخصوص شعبيتها الضاربة في عمق الشعب؛ تصدرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الانتخابات بفارق كبير عن منافسيها.
قبل.. قبول جماعي لما ستسفر عنه الصناديق
بعد انتهاء الانتخابات الجماعية، توجهت الأنظار إلى الاستحقاقات التشريعية لسنة 1991. قبل إجرائها بأسبوع واحد أكد رئيس البلاد الشاذلي بن جديد في ندوة صحفية أنه سيذهب بـ”المشروع الديمقراطي” الجزائري بعيدا، وسيحترم القوة السياسية التي تفرزها الإرادة الشعبية بغض النظر عن توجهها ولونها السياسي.
القوى السياسية بدورها أعلنت، حسب ما جاء في كتاب “من قتل محمد بوضياف؟” للكاتب الجزائري والباحث يحي أبو زكريا، أنها ستخضع لقواعد اللعبة السياسية، وستقبل نتائج الانتخابات، مؤكدةً استعدادها لاحترام نتائج صناديق الاقتراع، بغض النظر عن هوية وطبيعة الحزب الذي سيختاره الشعب.
بعد.. رفض حزبي جماعي لفوز الإسلاميين
عقب إجراء الانتخابات، وتصدر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، خرج حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذو التوجه الأمازيغي، الذي أكد سابقا أنه مستعد لقبول نتائج الانتخابات، ليهدد بأنه سيعلن “الحرب على الحكومة الأصولية”، وأنه “لن يقبل بأن تكون الجزائر مثل السودان أو إيران”.
على نفس النهج نسج حزب الطليعة الاشتراكية اليساري، الذي طالب الجيش بالتدخل، وصرح بأنه “لن يقبل بنظام بينوشي (نسبة لحاكم تشيلي السابق بونيشيه؛ كان نظامه عسكريا استبداديا) ولا بنظام إسلامي توتاليتاري رجعي ظلامي”.
“إنقاذ الجزائر” من جبهة “الإنقاذ”..
ووفق الباحث أبو زكرياء، فقد تجمع الفرانكوفونيون واليساريون والأمازيغيون والثقافيون والعلمانيون وأصحاب كل المتناقضات الإيديولوجية، وأعلنوا عن تأسيس “جمعية إنقاذ الجزائر”، من أجل الضغط لإيجاد حل جذري يمنع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة.
الجمعية التي أسستها القوى السياسية الجزائرية الرافضة لفوز الإسلاميين في الانتخابات، خرجت للوجود منذ اليوم الأول لظهور النتائج، وهو أمر غير معتاد، إذ حسب أبو زكريا، منح وزير الداخلية وقتها العربي بلخير، الهيئة الترخيص في “ربع ساعة” علماً أن الوقت المعتاد لتأسيس الجمعيات كان يُقاس بالشهور.
ورطة قادة الدولة وخيبة ظن في الشعب..
صبيحة ظهور نتائج الانتخابات، عقد بلخير، الذي يعتبر من أقوى الشخصيات بالجزائر بعد الاستقلال، اجتماعات موسعة مع رؤساء الدوائر الأمنية وضباط الشرطة، من أجل التخطيط للمرحلة المقبلة، فيما أعلن أحمد غزالي رئيس الوزراء وقتها، أن ظنّه خاب في الشعب الجزائري لأنه اختار الإسلاميين.
وحسب المصدر نفسه، فإن خيبة غزالي، جاءت لأنه كان يراهن على فوز حزب آخر غير جبهة الإنقاذ، حيث وصل به الأمر إلى أن قدم، بعد أن وعد عشية تعيينه في يونيو 1991، بأنه سيشرف على “انتخابات حرة ونزيهة”، (قدم) ضمانات للمؤسسة العسكرية بأن قوة سياسية علمانية ستستحوذ على البرلمان.
ديمقراطية مشروطة بفوز مرشح الجيش..
بعد النتائج الصادمة، سارع الجنرال خالد نزار، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع وقتها، لمطالبة الرئيس الشاذلي بن جديد بإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية باعتبار أن صلاحياته تخول له ذلك، ولكن الرئيس رفض، ما دفعهم لمطالبته بالاستقالة من منصبه، والإعلان عن حل المجلس الوطني (البرلمان).
رغم إعلانهم بعد سنة 1989، دخول البلاد “عصر الديمقراطية” و”التعددية الحزبية”، لم يتقبل قادة الجزائر فوز أي حزب سياسي آخر لا ترضى عنه المؤسسة العسكرية، ولا أي مرشح، لا يأتيه الضوء الأخضر من داخل ثكنات الجيش، ما أدخل البلاد في ما عرف إعلاميا بـ”العشرية السوداء”.
شكون گَالك كول الكرموس؟
لقد فرح الجزائريون بعد دخول عصر التعددية الحزبية، وزمن “الديمقراطية” التي كانوا يسمعون عنها في المذياع، وذهبوا كماً طُلب منهم من قبل القادة الذين قالوا إن الشعب بإمكانه اختيار من يحكمه (ذهبوا) للتصويت، ولكن بعدها، خرج غزالي، بتصريحه الصادم عن خيبة ظنه.
قول غزالي الذي كان مرشح المؤسسة العسكرية لخلافة بن جديد، إن ظنه خاب في الجزائريين، يمثل انتقاصا صريحاً من وعي الشعب وقتها، إذ كان كلامه يعني ضمنيا أن الديمقراطية والتعددية، ليست صالحة للمواطنين، لأنهم قرروا عدم التصويت على جبهة التحرير، التي حررت البلاد من الاستعمار الفرنسي!
المصدر:
هبة بريس