في تطور جديد ينهي حالة الجدل الواسع التي شهدتها منصات التواصل الاجتماعي والشارع المغربي مؤخرا، توصلت جريدة “العمق” برد رسمي من الهيئة الفيدرالية الروسية للمراقبة البيطرية والنباتية.
وجاء الرد ليجلي الغموض الذي رافق الإعلان عن تصدير أول شحنة من “أمعاء الخنزير” انطلاقا من مقاطعة “كورسك” الروسية نحو المملكة المغربية، وهو الخبر الذي انفردت الجريدة بنشره في وقت سابق وأثار تساؤلات ومخاوف لدى الرأي العام الوطني.
وكشفت الوثيقة الرسمية الصادرة عن الهيئة الروسية، والمؤرخة في 3 مارس 2026، عن تفاصيل الشحنة التي أثارت الجدل، موضحة أن “الأمعاء المملحة التي قام المنتج بتصديرها من مقاطعة كورسك إلى المملكة المغربية هي مخصصة لأغراض غذائية بحتة”.
غير أن الهيئة الروسية حرصت على توضيح حدود مسؤوليتها وتتبعها للشحنة، مؤكدة أن مصالحها البيطرية والرقابية “لا تتوفر على أية معلومات بشأن الاستخدام اللاحق لهذه المنتجات بعد وصولها إلى وجهتها، بما في ذلك ما إذا كانت ستسوق وتستهلك داخل التراب المغربي، أو أنها موجهة لعمليات تحويلية يعاد تصديرها لاحقا إلى دول أخرى”.
ولدحض أي شكوك حول جودة المنتجات المصدرة، أضافت الهيئة في مراسلتها أن المؤسسة الروسية المنتجة لهذه الأمعاء “اجتازت بنجاح كافة عمليات التفتيش والتدقيق الصارمة، وذلك وفقا لمتطلبات ومعايير الدول المستوردة”، مشيرة إلى أن هذه الشركة تمتلك خبرة واسعة وباعا طويلا في تصدير منتجاتها إلى أسواق متعددة في مختلف بقاع العالم.
وكان الإعلان الأولي من الجانب الروسي عن تصدير هذه الشحنة قد خلق حالة من التوجس والتفاعل الواسع داخل المغرب، بالنظر إلى الخصوصية الدينية والثقافية للمملكة التي تحرم استهلاك لحوم الخنازير ومشتقاتها.
ودفع هذا الوضع الجمعية الوطنية لمصدري المصران بالمغرب إلى الخروج عن صمتها، والمبادرة بإصدار بلاغ توضيحي مفصل توصلت به جريدة “العمق”.
ونفت الجمعية، بصفتها الممثل للمهنيين، “نفيا قاطعا” توجيه هذه المنتجات للاستهلاك المحلي بأي شكل من الأشكال، مؤكدة أن دخول هذه الشحنة إلى التراب الوطني يندرج حصريا ضمن نظام جمركي واقتصادي دقيق يعرف بـ “الاستيراد المؤقت بغرض التحويل وإعادة التصدير”.
وفي سياق تنوير الرأي العام حول طبيعة هذا النشاط الاقتصادي الذي يجهله الكثيرون، أوضحت الجمعية أن نشاط استيراد المصارين الحيوانية، بمختلف أنواعها بما فيها أمعاء الخنازير، ليس وليد اليوم، بل يمارس في المغرب منذ أكثر من عقدين من الزمن.
وأشارت إلى أن هذا النشاط يندرج في إطار صناعي دقيق وموجه بشكل حصري نحو التصدير، حيث تتمثل دورة الإنتاج في استيراد المادة الأولية (الأمعاء الخام أو المملحة)، ليتم إدخالها إلى وحدات صناعية مغربية متخصصة وعالية التجهيز، حيث تخضع لعمليات معالجة دقيقة تشمل التنظيف، المعايرة، التجفيف، وإعادة التمليح، قبل أن يتم إعادة تصدير المنتوج النهائي كاملا 100% نحو الأسواق الدولية، وتحديدا الأوروبية، دون أن تتسرب غرام واحد من هذه المواد إلى السوق الوطنية.
وفي معرض ردها المفصل على التخوفات المرتبطة بإمكانية “تسريب” أو استعمال أمعاء الخنزير المستوردة في صناعة النقانق (الصوصيص) الموجهة للاستهلاك المحلي، قدمت الجمعية معطيات تقنية حاسمة، مشددة على أن أمعاء الخنزير “لا تتناسب لا شكلا ولا حجما ولا خصائص تقنية” مع متطلبات المنتجات الاستهلاكية في المغرب.
وأوضحت أن صناعة النقانق المحلية تعتمد بشكل أساسي وحصري على أمعاء الأغنام والماعز والأبقار، والتي يتم توفيرها بالكامل من المجازر والذبائح الوطنية التي تلبي حاجة السوق المحلي بامتياز.
ولطمأنة المستهلك المغربي بشكل نهائي، أكدت الجمعية أن هذا القطاع لا يعمل في فراغ، بل يخضع لرقابة مؤسساتية مزدوجة وصارمة. فمن جهة، تتدخل إدارة الجمارك لضبط الكميات المستوردة والمصدرة، ومن جهة أخرى، يشرف “المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية” (ONSSA) على تتبع دقيق وصارم لمسار الشحنات.
وتبدأ هذه المواكبة منذ لحظة وصول الحاويات إلى الميناء، مرورا بكافة مراحل المعالجة داخل المصانع، وصولا إلى تعبئتها وإعادة تصديرها. ويتم كل ذلك في إطار قانوني صارم يمنع منعا كليا تسويق هذه المواد داخل السوق الداخلية، ويفرض احترام إلزامية التصريح الدقيق بالمكونات وتتبع مسارها (Traçabilité).
وبلغة الأرقام التي تبرز الأهمية الاقتصادية لهذا القطاع “الخفي”، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن المغرب يحتضن نحو 25 وحدة صناعية مرخصة قانونيا لتصدير مصارين الحيوانات، وتستهدف أساسا دول الاتحاد الأوروبي.
وأنجزت هذه الوحدات استثمارات مالية مهمة لتطوير بنيتها التحتية واعتماد أنظمة الجودة العالمية، مثل أنظمة التتبع، وتحليل المخاطر، ومراقبة النقاط الحرجة (HACCP).
وتبلغ الكميات التي تتم معالجتها وتصنيعها سنويا في المغرب حوالي 20 ألف طن، وهو ما يدر عائدات مهمة من العملة الصعبة على البلاد، فضلا عن توفير هذا النشاط لقرابة خمسة آلاف منصب شغل مباشر، مما يجعله حلقة مهمة في سلسلة الصناعات التحويلية بالمملكة.
المصدر:
العمق