بعد غيبة طويلة في “كهوف” الصمت، آثر فيها حكيم بنشماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، التواري عن الأنظار تاركا خلفه حزبا مثخنا بجراح التدبير العشوائي والصراعات التنظيمية التي بلغت أوجها في عهده، يطل علينا اليوم “الرئيس السابق لمجلس المستشارين” بـ “مانيفيستو” سياسي غريب الأطوار، وكأنه نبيٌّ هبط فجأة في واد غير ذي زرع ليوزع صكوك الغفران والحلول السحرية.
يأتي خروج بنشماش تحت مسمى “مغرب السرعة الواحدة”، لكنه في الحقيقة خروج يجسد مقولة “سكت دهرا ونطق كفرا”؛ كفرٌ بالعمل الحزبي، وكفرٌ بالمسار الديمقراطي التراكمي، ودعوة صريحة إلى “العسف” على الوثيقة الدستورية تحت مبررات “النجاعة” و”الجراحة السيادية”.
من الغريب حقا أن يدعو من كان يوما رئيسا لمؤسسة دستورية تمثل الأمة، ويُفترض أنها نتاج صناديق الاقتراع، إلى إجهاض الأحزاب ضدا على كل الآليات الديمقراطية التي تعني بالتعريف “دولة الأحزاب”، وهو لعمري تبشير بالخراب، ومحاولة بائسة لإخفاء فشل نخب لم تستطع يوما أن تكون في مستوى تطلعات شعبها، ولم تنل حتى رضا “الجراح” الذي تنشد تدخله اليوم.
يتحدث بنشماش اليوم عن “العبث الحزبي” و”نخب المصالح الضيقة” وكأنه كان طيلة مساره مناضلا في جمعية حقوقية وليس “مهندس” المرحلة التي شهدت أكبر تصدع في تاريخ “البام”. فأين كانت هذه “النزاهة الفكرية” عندما كان يدير دفة الحزب بعقلية “الإقصاء” التي أدت إلى معارك “الشرعية والمشروعية” الشهيرة؟ وكيف يجرؤ من ساهم في تحويل المؤسسة الحزبية إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية على الحديث اليوم عن “تخليص التعددية من رهينة العبث”؟
إن الأخطر في “بيان” بنشماش هو تلك النبرة الانهزامية التي تحاول استجداء السلطة لتعويض العجز الشعبي. فمن الغريب أن بعض “باردين الكتاف” و”الفشلة” في الأفكار والبرامج، وحتى في التأطير السياسي والنزال الانتخابي، يريدون من “الحَكَم” أن يربحهم في المباراة دون أن يكونوا قادرين على ذلك “بعرق كتافهم” أو برصيدهم النضالي.
إن دعوته لتدخل “العقل الاستراتيجي للدولة” ليلعب دور “الجراح” هي دعوة للقفز فوق الدستور، ونكوص نحو “القرار الفوقي” المطلق. بنشماش يريد من الدولة أن تقوم بعملية “استئصال” للأحزاب التي يراها عبئا، متناسيا أن “مغرب السرعة الواحدة” الذي ينشده المغاربة هو مغرب المؤسسات والحقوق والمحاسبة، وليس مغرب “الجراحات” التي تستهدف روح الدستور لإخفاء فشل الوجوه التي استهلكت كل فرصها.
إن “مانيفيستو” بنشماش ليس صرخة إصلاحية، بل هو اعتراف صريح بـ “الإفلاس السياسي” لرجل قضى عقوداً في هندسة المشهد الذي ينتقده اليوم بصلافة. إنه “الداء” الذي يتقمص دور “الدواء”، والقيادي الذي أضاع البوصلة فأراد كسر “الساعة” ليوهمنا أن الزمن قد توقف عند حدود خيباته.
وفي الختام، لا يجد هذا التهافت الفكري الذي أطل به بنشماش من مخبئه في منتصف هذا الشهر الفضيل، خيرا من توصيف الشاعر السوداني محمد عبد الباري حين قال:
سَتَقُولُ أَلسِنَةُ الذُّبَابِ قَصِيدَةً .. ويرتقي ذِئبُ الجِبَالِ المِنبَرُ..
وَسَيَسْقُطُ الْمَعْنَى عَلَى أَنْقَاضِنَا.. حَتَّى الْأَمَامُ سَيَسْتَدِيرُ إِلَى الْوَرَا..
المصدر:
العمق