تتصاعد التحذيرات من تداعيات التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط على استقرار الإمدادات الطاقية في المغرب، حيث يؤكد خبراء وباحثون، تحدثت إليهم هسبريس، أن استمرار النزاعات العسكرية لأكثر من شهر سيؤدي حتما إلى قفزات حادة في الأسعار الدولية. وفي ظل ارتهان المغرب للاستيراد بنسبة تصل إلى 90 في المائة لتغطية احتياجاته الطاقية، يبرز التحدي الأكبر في “المخزون الاستراتيجي” الذي تشير المعطيات الرسمية الأخيرة إلى أنه لا يغطي سوى 18 إلى 22 يوما فقط من الاستهلاك الوطني للمواد البترولية، وهي مدة تضع السيادة الطاقية للمملكة “تحت ضغط شديد أمام أي اضطراب في ممرات الملاحة الدولية”، مثل مضيق هرمز وباب المندب.
ومع اشتداد القصف وأنباء إيرانية واردة عن “إغلاق مضيق هرمز”، عاد بقوة نقاش “المخزون الاستراتيجي” من مواد الطاقة في المغرب، الذي لا يزال يعتمد اعتمادا كبيرا على استيراد المحروقات لتلبية احتياجاته من النفط والغاز وباقي المشتقات البترولية، ليجد نفسه في مواجهة مباشرة مع هذه التحولات، غير بعيدٍ عن تجربة تخص اضطرابات لوجستية لسفن التفريغ إثر التقلبات الجوية الاستثنائية الأخيرة، التي استمرت لأسابيع، بداية السنة الجارية.
يرى عبد الصمد ملاوي، أستاذ جامعي خبير دولي في الطاقة وتكنولوجيا الطاقات المتجددة، أن “استمرار الأزمات الدولية لأكثر من شهر قد يدفع بسعر برميل النفط لتجاوز حاجز 100 إلى 120 دولارا كحد أدنى، وهو ما يضع ميزانية الدولة والقدرة الشرائية للمواطن “تحت ضغط شديد، نظرا لارتباط قطاعات النقل والصناعة وتوليد الكهرباء بشكل عضوي بأسعار المواد البترولية المستوردة”.
وفي ظل استمرار الارتهان للأسواق الخارجية، قدّر ملاوي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، “أن المخزون الاستراتيجي الحالي للمغرب من المواد البترولية يغطي احتياجات تتراوح ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر على أبعد تقدير، فقط”. هذا الوضع يستدعي، حسب تعبيره، “تسريع الخطى لتعزيز القدرات التخزينية المحلية وتأمين مصادر الإمداد، لتفادي أي ارتباك في سلاسل التوريد قد ينجم عن إغلاق الممرات الملاحية أو تعطل الإنتاج في الدول المصدرة”، مؤكدا أن تأمين “السيادة الطاقية” لم يعد في خانة الترف بل بات “ضرورة ملحة لحماية الاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية”.
وعلى صعيد الغاز الطبيعي، أوضح الخبير المغربي أن المملكة “تفتقر حاليا لبنية تحتية وطنية متكاملة للتخزين وإعادة التحويل (Regasification)”، حيث يعتمد المغرب في تأمين احتياجاته من الغاز المسال على المحطات الإسبانية ثم نقله عبر الأنبوب المغاربي الأوروبي في الاتجاه العكسي.
هذا المسار “وإن كان حلا مؤقتا”، بحسب ملاوي، فهو لا يخلو من “المخاطر اللوجستية والسياسية” التي تحفُّه، ويَزيد من “كلفة الفاتورة الطاقية بسبب رسوم التحويل والارتباط بالأولويات الاقتصادية للجارة الشمالية”، مما “يعزز الحاجة الماسة لامتلاك منصات سيادية” على التراب الوطني.
ووفق الخبير الدولي في الطاقة، تبرز الرؤية الملكية الاستباقية من خلال مشروع ميناء “الناظور غرب المتوسط”، الذي من المقرر أن يحتضن أول وأكبر محطة وطنية لتخزين وتحويل الغاز الطبيعي المسال بسعة تصل إلى 5 ملايين طن سنويا، مؤكدا أن دخول هذا المشروع حيز الخدمة سيشكل “تحولا جذريا؛ إذ سيتيح للمغرب استقلالية كاملة في تدبير مخزونه من الغاز”، وربطه مباشرة بالمناطق الصناعية الكبرى مثل القنيطرة والدار البيضاء، مما يسهم في رفع حصة الغاز في المزيج الطاقي لتوليد الكهرباء إلى 30% بحلول عام 2030، تمهيدا للانتقال نحو اقتصاد “الهيدروجين الأخضر” الصديق للبيئة.
ولفت ملاوي إلى أن البنية التحتية المرتقب إنشاؤها (أنابيب وخزانات) مصممة لتُستخدم مستقبلا في قطاع الهيدروجين الأخضر ابتداء من عام 2030، مما يوفّر على الدولة “تكاليف إعادة الهيكلة”، مذكرا بـ”تجديد الرباط طموحاتها المناخية برفع هدف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة من 45.5% بحلول 2030 إلى 53% بحلول عام 2035”.
من جانبه، نبه الحسين اليماني، مهني خبير في الطاقة الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، إلى أن “المغرب يستهلك نحو مليون طن شهريا من المواد البترولية، بينما لا يتجاوز المخزون الحالي في بعض الفترات 167 ألف طن، مما يستدعي تدخلا عاجلا لتنفيذ التوجيهات الملكية التي شددت منذ أزمة كوفيد-19 على أولوية تأمين المخزونات الاستراتيجية في ثلاثة مجالات حيوية، منها الطاقة وموادها”.
وقال اليماني، استنادا إلى بيانات رسمية صادرة مؤخرا عن وزارة الانتقال الطاقي، إن المغرب يمتلك حاليا مخزونا من المواد البترولية يقدر بنحو 167 ألف طن. وبالنظر إلى أن الاستهلاك الوطني الشهري يصل إلى مليون طن، فإن هذا المخزون لا يغطي سوى فترة تتراوح بين 18 و22 يوما فقط”. وبحسبه، تشمل هذه التقديرات كافة المشتقات البترولية: بنزين، وغازوال، ووقود الطائرات، والوقود الصناعي، مما يبرز “فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية والقدرات التخزينية المتاحة حاليا”.
وفي حديثه لهسبريس، نبه اليماني إلى “الحساسية المفرطة للموقع الجغرافي الذي تدور فيه التوترات الحالية في الشرق الأوسط، لكون المنطقة منتجا رئيسا للغاز (خاصة قطر) ومُصدّرا لنحو ربع الاستهلاك العالمي من النفط”.
وأكد أن السيطرة على الممرات الاستراتيجية، وتحديدا مضيق هرمز ومضيق باب المندب، تجعل من أي تصعيد عسكري تهديدا مباشرا لطرق التسويق والتوريد بين الشرق الأوسط من جهة، وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى، موردا: “في حال توسع رقعة المواجهة واستمرارها لأكثر من شهر، فإن الضغط على الإنتاج سيؤدي حتما إلى تآكل المعروض وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية”.
كما توقع الخبير الطاقي عينه أن تؤدي الاضطرابات الدولية إلى تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار كحد أدنى، “وقد يصل إلى 120 دولارا في حال تفاقم الأزمة”.
وبينما أشار إلى أن “المغرب اختَبَر سابقا مرارة هذه التقلبات إبان اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، وكيف انعكست ضبابية سلاسل التوريد سلبا على استقرار الأسعار في السوق المحلية، شدد على أن الرهان على أن “السوق العالمية مؤمَّنة” هو رهان محفوف بالمخاطر في ظل الأزمات الجيو-سياسية والكوارث الطبيعية التي تستوجب نظاما صارما للمخزونات الاستراتيجية.
كما قلّل اليماني من شأن “الرهان الكلي على الطاقات المتجددة في المدى القريب”، مشيرا إلى أن نسبة الاستقلال الطاقي للمغرب لا تتجاوز حاليا 10%، بينما تظل التبعية للخارج بنسبة 90% قائمة، خاتما بالتأكيد على أن الوقود الأحفوري سيظل مهيمنا على المشهد الطاقي لعقود قادمة (خمسة عقود على الأقل)، مما يفرض على المغرب “ضرورة العودة لامتلاك أدوات التكرير المحلي والتخزين السيادي لضمان استقراره الاقتصادي”.
المصدر:
هسبريس