آخر الأخبار

الخليفة: وثيقة 11 يناير كانت ميثاقا للتعاقد بين العرش والشعب ومعركة الديمقراطية دين في رقابنا

شارك

اعتبر القيادي السابق في حزب الاستقلال، مولاي امحمد الخليفة، أن ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال ليست مجرد احتفال عابر أو يوم عادي في الروزنامة السياسية للمملكة، بل هي يوم فاصل في تاريخ المغرب الحديث نقل البلاد من مرحلة إلى أخرى، وأسس لوعي سياسي جديد قطع مع عهد الحماية الفرنسية، وذلك خلال كلمة ألقاها في مهرجان خطابي نظم بمدينة فاس، تخليدا للذكرى 82 لتقديم وثيقة 11 يناير 1944.

وأكد الخليفة في مستهل حديثه، الذي اتسم باستحضار دقيق للوقائع التاريخية وربطها بالواقع السياسي الراهن، أن مدينة فاس كانت النبع الصافي للحركة الوطنية والمنطلق الحقيقي للوطنية المغربية بوعيها الحديث، مشيرا إلى أن هذه المدينة احتضنت التوقيعات الأولى للمجاهدين والماهيدن الأوائل، ومنها خرجت الوثيقة في نسختها الأصلية من دار الحاج أحمد مكوار، لتنتشر بعد ذلك في سائر ربوع المغرب، مشددا على فضل الحاضرة العلمية على الوطن كله في بلورة الكفاح من أجل الوحدة والتوحيد والاستقلال بمفاهيم العصر آنذاك.

وأوضح الوزير الأسبق أن وثيقة 11 يناير جاءت كميلاد لفكر جديد بعد توقف قعقعة السلاح وانتهاء المعارك العسكرية الكبرى التي قادها المقاومون في الريف والأطلس، لتعطي الكلمة للقلم والفكر والتضحية، مبرزا أن عظمة هذه الوثيقة تكمن في كونها عبرت عن نضج النخبة المغربية التي كانت تعيش عصرها وتستوعب التحولات العالمية، حيث لم يطالب الموقعون بإصلاحات جزئية بل طالبوا بالاستقلال والحرية في إطار وحدة التراب الوطني والعودة إلى السيادة المغربية الكاملة.

واسترسل الخليفة في سرد السياق التاريخي، مشيرا إلى أن المغرب عاش منذ توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 وضعا استثنائيا، إلا أن الشعب المغربي ظل متمسكا بملكيته وهويته، لافتا إلى أن العلاقة بين العرش والشعب بدأت تتخذ طابعا نضاليا وتلاحميا فريدا منذ سنة 1930 مع صدور “الظهير البربري”، حيث شكلت تلك المرحلة أول لقاء حقيقي من نوعه بين النخب الوطنية والسلطان محمد بن يوسف، حين توجه وفد من أهل فاس بعريضة تطالب بإلغاء الظهير الذي كان يهدف إلى تقسيم المغاربة وتنصيرهم.

وأشار القيادي الاستقلالي إلى أن الحركة الوطنية استطاعت تحويل المناسبات إلى محطات نضالية، حيث كان الاحتفال بعيد العرش الذي انطلق سنة 1933 بشكل غير رسمي، محطة لتجديد العهد والميثاق بين الملك وشعبه، قبل أن تضطر الإدارة الفرنسية لترسيمه سنة 1934، مضيفا أن هذا التلاحم تجلى في تقديم “دفتر المطالب المستعجلة” وتأسيس “كتلة العمل الوطني” وصولا إلى أحداث 1937 الدامية التي شهدت اعتقالات ونفي للزعماء، وعلى رأسهم الزعيم علال الفاسي، ومع ذلك استمر الكفاح بتنسيق كامل مع القصر.

وكشف الخليفة عن معطيات تاريخية دقيقة تتعلق بالسياق الدولي الذي سبق تقديم الوثيقة، متحدثا عن الإنزال الأمريكي في المغرب سنة 1942 ومؤتمر آنفا سنة 1943، حيث استطاع السلطان محمد الخامس بذكائه السياسي أن يستثمر هذه اللحظة الدولية، مستحضرا اللقاء الذي جمع السلطان بالرئيس الأمريكي روزفلت بحضور ابنه، والذي وعد فيه الرئيس الأمريكي بدعم استقلال المغرب بعد نهاية الحرب، وهو ما التقطته الحركة الوطنية والسلطان كإشارة لبناء مغرب جديد ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وذكر المتحدث أن الوثيقة تميزت بصياغة دقيقة تضمنت حيثيات لخصت تاريخ المغرب ومظالمه، ومطالب واضحة بالاستقلال والديمقراطية تحت ظل الملكية، مبرزا أن تقديم الوثيقة للإقامة العامة والقنصليات الأجنبية (أمريكا، بريطانيا، الاتحاد السوفياتي) كان دليلا على وعي الحركة الوطنية بأن قضية المغرب قضية دولية وليست شأنا داخليا فرنسيا، وهو ما شكل صدمة للمستعمر الذي لم يتوقع هذا المستوى من التنظيم والوعي السياسي.

وتابع الخليفة ساردا تفاصيل المواجهة التي تلت تقديم الوثيقة، حيث طلبت الإقامة العامة من السلطان محمد الخامس التبرؤ من حزب الاستقلال وإدانة الوثيقة، إلا أن السلطان رفض ذلك رفضا قاطعا، معتبرا أن الحزب يمثل جماعة من المؤمنين وأنه لا يمكن لأمير المؤمنين أن يتبرأ من جزء من شعبه، وهو الموقف الذي أدى لاحقا إلى تصعيد التوتر وصولا إلى نفي السلطان سنة 1953، مؤكدا أن الملك كان يعتبر نفسه قائدا للحركة الوطنية وليس مجرد متعاطف معها.

وعرج المتحدث على الزيارة التاريخية لطنجة سنة 1947، وكيف حاولت الإدارة الاستعمارية إفشالها عبر أحداث الدار البيضاء لثني السلطان عن السفر، إلا أن محمد الخامس أصر على الذهاب وألقى خطابه التاريخي الذي أكد فيه على وحدة المغرب وانتمائه العربي والإسلامي، متحديا بذلك المخططات الاستعمارية، وهو ما اعتبره المحللون بمثابة إعلان رسمي عن نهاية عهد الحماية وبداية معركة الاستقلال المباشرة.

وانتقل الخليفة في الجزء الثاني من مداخلته للحديث عن الراهن السياسي، معتبرا أن معركة الديمقراطية التي نادى بها الموقعون على وثيقة الاستقلال لا تزال دينا في رقاب المغاربة، منتقدا بشدة واقع الانتخابات والممارسة الديمقراطية الحالية، مشيرا إلى أن الآباء المؤسسين ناضلوا من أجل ديمقراطية حقيقية تعبر فيها صناديق الاقتراع بصدق عن الإرادة الشعبية، وتفرز نخبا قادرة على تدبير الشأن العام بنزاهة وكفاءة، وليس ديمقراطية الواجهة والشعارات.

وأعرب الوزير السابق عن أسفه لما آلت إليه الأوضاع في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة، وقارن بين طموحات وثيقة 11 يناير والواقع الحالي، مشيرا إلى أن المغرب رغم ما حققه من تطور في البنيات التحتية والسدود وتكوين الأطر، إلا أن التعليم يعيش أزمة هيكلية تهدد بتخريج أجيال غير متكافئة الفرص، وأن قطاع الصحة لا يرقى لتطلعات المواطنين، وأن معضلة التشغيل وهجرة الأطر الطبية والهندسية تشكل نزيفا حقيقيا للوطن.

وشدد الخليفة على أن المغرب يمتلك نظاما ملكيا أصيلا ومجاهدا، وأن الملكية في المغرب ليست مجرد مؤسسة حكم بل هي رمز للسيادة والوحدة، مستشهدا بمقولة للزعيم علال الفاسي حول النموذج الملكي البريطاني كأفق للتطور الديمقراطي، مؤكدا أن حماية هذا النموذج تقتضي تحصين الجبهة الداخلية وتقوية المؤسسات عبر انتخابات نزيهة تقطع مع ممارسات الماضي وتسمح بمشاركة سياسية حقيقية وفاعلة.

واختتم مولاي امحمد الخليفة كلمته بالتطرق إلى الوضع العربي والإسلامي الراهن، واصفا إياه بوضع “الأيتام في مأدبة اللئام”، ومبديا ألمه الشديد لما يجري في فلسطين من تقتيل وتدمير في ظل عجز عربي وإسلامي، داعيا إلى استلهام روح وثيقة 11 يناير في التضامن والوحدة، ومذكرا بمقولة الملك محمد الخامس بعد الاستقلال بأننا “خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، وهو جهاد التنمية والديمقراطية وبناء الإنسان، والذي ما زال مستمرا ويتطلب تظافر جهود جميع المغاربة نساء ورجالا.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا