تحتفظ دائرة الرباط شالة بموقع خاص في الخريطة الانتخابية للعاصمة الإدارية، ليس فقط لأنها واحدة من دائرتي عمالة الرباط، وإنما لأنها تختزن ثلاثة مقاعد برلمانية ظلت تتبدل بين قوى سياسية مختلفة خلال الاستحقاقات السابقة.
وتدخل الدائرة انتخابات 23 شتنبر 2026 المرتقبة بعد أسابيع بخريطة ترشيحات تجمع بين أحزاب تدافع عن مقاعد تشغلها، وأخرى تسعى إلى استعادتها أو اقتحامها للمرة الأولى.
في 8 شتنبر 2021 تصدر التجمع الوطني للأحرار نتائج الانتخابات في الرباط شالة بـ10,829 صوتاً، باسم علاء الدين البحراوي، متبوعاً بأديب بن إبراهيم عن الأصالة والمعاصرة بـ7,641 صوتاً، ثم حسن لشكر وكيلاً للائحة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ5,934 صوتاً؛ وهي الأحزاب الثلاثة التي حازت المقاعد الثلاثة.
وجاء حزب الاستقلال رابعاً بـ5,494 صوتاً، ثم حزب الحركة الشعبية بـ2,708، فحزب العدالة والتنمية بـ2,611، وتحالف فيدرالية اليسار بـ1,067، والاتحاد الدستوري بـ793، والحزب الاشتراكي الموحد بـ578، والتقدم والاشتراكية بـ567.
لكن الصورة كانت عموماً مختلفة في 7 أكتوبر 2016، عندما تصدر العدالة والتنمية بـ22,551 صوتاً، أي 43.64 في المائة من الأصوات المعبر عنها، وحصل بذلك على مقعدين لفائدة سليمان العمراني وعبد الرحيم لقرع. وحل الأصالة والمعاصرة ثانياً بـ14,389 صوتاً، وحصل على المقعد الثالث بواسطة إبراهيم الجماني.
وحل حزب الاتحاد الدستوري في المرتبة الثالثة بـ4,330 صوتاً، تلاه تحالف أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي بـ3,085، فالاستقلال بـ1,781، والاتحاد الاشتراكي بـ1,757، والاتحاد المغربي للديمقراطية بـ1,210، والتقدم والاشتراكية بـ664، والتجمع الوطني للأحرار بـ649، والحركة الشعبية بـ308، وجبهة القوى الديمقراطية بـ252.
أكبر تحول عرفته شالة جمع بين ترتيب الأحزاب وحجم التصويت نفسه، فقد انخفضت الأصوات المعبر عنها من 51,680 إلى 40,285، أي بنحو 11,395 صوتاً، بالتوازي مع تراجع نسبة المشاركة. وفي هذا السياق لا يمكن قراءة صعود حزب بمعزل عن الانكماش العام للكتلة المصوتة.
المستفيد الأكبر كان “حزب الحمامة”، الذي انتقل من 649 إلى 10,829 صوتاً، بزيادة قدرها 10,180 صوتاً، وصعد من المركز التاسع إلى المركز الأول وحصل على مقعد.
كما حقق “حزب الوردة” قفزة من 1,757 إلى 5,934 صوتاً، بزيادة 4,177 صوتاً، وانتقل من المركز السادس إلى الثالث وحصل على مقعد. وانتقل الاستقلال من 1,781 إلى 5,494 صوتاً، أي بزيادة 3,713 صوتاً، لكنه بقي خارج المقاعد رغم احتلاله المركز الرابع.
كما تقدم “حزب السنبلة” من 308 إلى 2,708 أصوات، بزيادة 2,400، في حين تراجع “حزب الحصان” من 4,330 إلى 793 صوتاً، وخسر أكثر من 3,500 صوت. أما “حزب الجرار” فرغم احتفاظه بمقعد فقد تراجع من 14,389 إلى 7,641، بخسارة 6,748 صوتاً.
السقوط الأوضح كان من نصيب العدالة والتنمية: من 22,551 إلى 2,611 صوتاً، أي خسارة 19,940 صوتاً، بعدما كان صاحب مقعدين في 2016 وانتهى إلى صفر مقعد في 2021.
ويتضح مما سبق كيف انتقلت الدائرة، في غضون خمس سنوات، من معادلة 22,551 صوتاً لـ”البيجيدي” ومقعدين له إلى معادلة جديدة يتصدرها “الأحرار” بـ10,829 صوتاً، فيما أصبح المقعد الثالث نفسه أقرب إلى منطقة التنافس: الفارق بين الاتحاد الاشتراكي صاحب المقعد الثالث والاستقلال صاحب المركز الرابع لم يتجاوز 440 صوتاً.
يبدو عموماً أن أسماء عدد من وكلاء اللوائح باتت معلنة بشكل واضح، إذ يأتي علاء الدين البحراوي عن التجمع الوطني للأحرار، في محاولة للدفاع عن المقعد الذي أحرزه الحزب وتصدر به نتائج 2021.
ويخوض أديب بنبراهيم السباق مجدداً عن الأصالة والمعاصرة، بعدما جدد الحزب تزكيته في الدائرة، مستفيداً هذه المرة أيضاً من موقعه الحكومي ككاتب دولة مكلف بالإسكان.
أما حزب الاستقلال فاختار عبد العزيز الدرويش، رئيس مجلس عمالة الرباط، وكيلاً للائحة. وتكتسب هذه الورقة “خصوصيتها” من المسار السابق للدرويش داخل الاتحاد الاشتراكي، ما يجعل ترشيحه مرتبطاً مباشرة بالصراع على المقعد الذي يحتفظ به الاتحاد منذ 2021.
ويخوض الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الانتخابات بواسطة الحسن لشكر، النائب الحالي عن الدائرة، الذي يسعى إلى الاحتفاظ بالمقعد لولاية أخرى.
ويعود العدالة والتنمية إلى الدائرة عبر محمد الطاهري، بعد أن حسمت الأمانة العامة للحزب تزكيته رسمياً وكيلاً للائحة الرباط شالة.
أما الاتحاد الدستوري فيدخل المنافسة بواسطة محمد أيت بوسلهام، وهو اسم جديد على مستوى التمثيل البرلماني بالدائرة، مع مسار مهني وأكاديمي في الإعلام والاتصال والسياسات العامة والاستثمار والعلاقات الدولية.
ويحضر تحالف اليسار من خلال الحقوقي والإعلامي محمد العوني، الذي زكاه الحزب الاشتراكي الموحد في إطار التحالف مع فيدرالية اليسار الديمقراطي.
كما يدخل حزب التقدم والاشتراكية بمرشح له تجربة برلمانية سابقة، هو جمال كريمي بنشقرون، وهو اسم لم يكن وارداً ضمن الخريطة الأولية المتداولة للأسماء لكنه أصبح في تركيبة السباق الحالية.
ويكمل الحزب الديمقراطي الوطني لائحة الأسماء المعلنة عبر سلمان كروان، في رهان على ضخ اسم شاب في دائرة تعرف تقليدياً تنافساً قوياً بين الأحزاب الكبرى.
الحساب الانتخابي يعطي أهمية خاصة لهذه الدائرة، ففي 2021 كان الفارق بين صاحب المركز الأول والثاني 3,188 صوتاً، وبين الثاني والثالث 1,707 أصوات، بينما لم يفصل صاحب المركز الثالث عن الرابع سوى 440 صوتاً. وتحيل هذه القراءة على أن المقعد الثالث كان الأقرب إلى إعادة التوزيع.
لكن المقارنة مع 2016 تكشف أن الفارق بين الأصالة والمعاصرة، صاحب المقعد الثالث آنذاك، والاتحاد الدستوري، صاحب المركز الرابع، بلغ أكثر من 10 آلاف صوت؛ أي إن هامش المقعد الثالث تقلص بصورة حادة بين الاستحقاقين.
كما أن سقوط العدالة والتنمية من 22,551 إلى 2,611 صوتاً، وصعود “الأحرار” من 649 إلى 10,829، يثبت أن خريطة شالة ليست ثابتة وأن انتقال كتلة انتخابية كبيرة بين الاستحقاقات أمر ممكن فعلياً، وليس مجرد احتمال.
يُذكر أن توزيع المقاعد في انتخابات مجلس النواب منذ 2021 يتم بواسطة القاسم الانتخابي المحتسب على أساس عدد الناخبين المسجلين، مع توزيع المقاعد الباقية وفق قاعدة أكبر البقايا، وليس بمجرد مقارنة عدد الأصوات الخام بين المرشحين.
ويبدو أن المقعد الثالث هو الأكثر تعرضاً لإعادة التوزيع قياساً إلى فارق 2021، فيما يظل المقعدان الأول والثاني أيضاً قابلين للتغيير إذا انتقلت كتلة انتخابية وازنة بين القوى المتنافسة.
ولذلك يبقى السؤال الحسابي الأساسي في شالة متعلقاً بأمرين رئيسيين: إمكانية تغيير الخريطة، وحجم التغيير الذي يمكن أن يحدثه انتقال بضعة آلاف من الأصوات في دائرة لا تمنح سوى ثلاثة مقاعد.
المصدر:
هسبريس