يمنح الموقع الجغرافي للمغرب، عند نقطة التقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي وعلى مسافة قريبة من القارة الأوروبية، المملكة ثقلا متزايدا في علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الاتحاد الأوروبي، في وقت تتسع فيه مجالات الشراكة لتشمل التجارة والموانئ والطاقة والربط الإقليمي والهجرة.
وتعزز هذا البعد خلال السنوات الأخيرة بالتوسع المتواصل للبنيات المينائية واللوجستية المغربية، وفي مقدمتها مركب طنجة المتوسط، بالتوازي مع تطوير مشاريع مينائية جديدة من قبيل الناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، فضلا عن مشاريع استراتيجية للربط الطاقي بين إفريقيا وأوروبا.
وتفيد المعطيات الرسمية لمجموعة طنجة المتوسط بأن المركب المينائي يؤمن روابط منتظمة مع أكثر من 180 ميناء موزعة على عشرات الدول عبر القارات الخمس، وهو ما يجعله إحدى أبرز منصات الربط البحري بين المغرب وأوروبا وإفريقيا وباقي الأسواق الدولية.
ويملك المغرب، بحسب المعطيات الرسمية، واجهتين بحريتين تمتدان على نحو 3500 كيلومتر، منها أكثر من 500 كيلومتر على البحر الأبيض المتوسط وما يقارب ثلاثة آلاف كيلومتر على المحيط الأطلسي، وهي خاصية جغرافية ساهمت في تعزيز موقع المملكة ضمن شبكات التجارة والطاقة والنقل البحري.
وبالتوازي مع البعد الاقتصادي، يحتل ملف الهجرة غير النظامية مكانة بارزة في العلاقات المغربية الأوروبية، بالنظر إلى موقع المملكة على الطرق المؤدية نحو الضفة الشمالية للمتوسط، وخصوصا إسبانيا، في ظل تعاون مستمر في مجال مراقبة الحدود ومواجهة شبكات تهريب البشر.
وعاد هذا الملف إلى الواجهة بقوة خلال شهر غشت الجاري، بعدما أحبطت السلطات المغربية محاولات جديدة للوصول إلى مدينة سبتة، حيث جرى منتصف الشهر توقيف وملاحقة مئات الأشخاص الذين تجمعوا في المناطق المحيطة بالفنيدق استجابة لدعوات على شبكات التواصل الاجتماعي لتنفيذ محاولات عبور جديدة.
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي رضوان جخا في تصريح لجريدة “العمق”، أن الموقع الجغرافي المتميز للمملكة المغربية يشكل قطبا رئيسيا في نجاعة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي متجاوزا كونه مجرد معطى جغرافي محض ليتحول إلى ورقة تفاوضية قوية يتم استثمارها بفعالية من الزاوية الاقتصادية عبر دبلوماسية الموانئ والمشاريع الطاقية الكبرى التي أطلقها الملك محمد السادس مع تأكيد الرباط الدائم على رفضها لعب دور الحارس الحدودي للقارة الأوروبية.
وأوضح المتحدث ذاته أن المملكة استثمرت جيدا تموقعها المنفتح على الواجهتين المتوسطية شمالا بامتداد بحري يصل لخمسمئة كيلومتر والأطلسية غربا بساحل يتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر مبرزا أن ميناء طنجة المتوسط يجسد أوج هذه الشراكة مع أوروبا باتصاله بمئة وثمانين منصة مينائية معظمها بدول الاتحاد الأوروبي وشراكته مع ست مدن من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهو ما يمكنه من حصد إيرادات سنوية تبلغ حوالي 12 مليار يورو.
وأضاف المحلل السياسي أن ميناء الناظور غرب المتوسط يعتبر امتدادا للنجاحات التي يحققها ميناء طنجة المتوسط مع تركيزه على منطقة غرب المتوسط والانفتاح على دول الاتحاد الأوروبي مشيرا إلى أن هذه الدينامية المينائية تتعزز في انتظار استكمال الورش الضخم لميناء الداخلة الأطلسي الذي يتجاوز حجم الاستثمار في إنجازه 13.6 مليار درهم.
وكشف المصدر نفسه أن هذا الموقع الجغرافي يحمل امتدادا جيوسياسيا واستراتيجيا يؤكد الدور المحوري للمغرب في كبح جماح الهجرة غير النظامية نحو أوروبا وهو ما تجلى في المجهودات الجبارة للسلطات المغربية منتصف هذا الشهر لمنع مئات المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء من عبور الحدود البحرية مشددا على أن المغرب يرفض أن يكون دركيا لأوروبا ويدعو إلى مناقشة بنية ملف الهجرة المعقد وحلحلتها بشكل جماعي وتشاركي مع إسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومؤسسة الاتحاد الأوروبي برمتها.
وتابع جخا تصريحه مبينا أن المقاربة المغربية تنبني على ركيزتين أساسيتين تتمثلان في الاستثمار التنموي عبر الموانئ والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والتدبير التشاركي لملف الهجرة والسيادة الطاقية لافتا الانتباه إلى الورش الأطلسي الضخم لأنبوب الغاز نيجيريا المغرب الذي سيساهم مستقبلا في نقل نحو 30 مليار متر مكعب سنويا من الغاز وإيصال الطاقة لأزيد من 440 مليون نسمة بالغرب الإفريقي وصولا إلى الشبكة الأوروبية مما يجعل الجغرافيا تلعب دورا محوريا في قيادة المملكة للأوراش الكبرى وصناعة الخريطة الجيوسياسية إقليميا.
وتنسجم الإشارة إلى ميناء الداخلة الأطلسي مع المعطيات الواردة في الوثائق المرافقة لقانون المالية لسنة 2026، التي تحدد كلفة المشروع في نحو 13.6 مليار درهم، فيما تبلغ الكلفة المعلنة لميناء الناظور غرب المتوسط نحو 11.59 مليار درهم.
كما تؤكد المعطيات المتاحة حول مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي كان يعرف سابقا بأنبوب نيجيريا-المغرب، أن قدرته المستهدفة تصل إلى نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، على أن يعبر عددا من بلدان غرب إفريقيا باتجاه المغرب، مع إمكانية ربطه مستقبلا بشبكة الغاز الأوروبية.
وتبرز هذه المشاريع مجتمعة اتساع الرهان المغربي على تحويل الموقع الجغرافي من مجرد ميزة طبيعية إلى بنية اقتصادية ولوجستية وطاقية تربط أوروبا بإفريقيا، بالتوازي مع تمسك الرباط بمقاربة للهجرة تقوم، وفق مواقفها المعلنة، على تقاسم المسؤولية ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للظاهرة إلى جانب التعاون الأمني والحدودي.
المصدر:
العمق