آخر الأخبار

من شاحنات المغرب في فالنسيا إلى خطاب الكراهية.. أين كان اليمين المتطرف عندما اختار المغرب التضامن؟

شارك

بشير اللدهي

هناك وقائع لا ينبغي ان تضيع وسط ضجيج السياسة، وذاكرة لا يمكن ان تمحوها الحملات الانتخابية مهما ارتفع صوتها. ومن بين هذه الوقائع موقف المغرب خلال كارثة الفيضانات التي ضربت فالنسيا في اكتوبر 2024، عندما لم يكتف المغرب بتقديم التعازي والتعبير عن التضامن، بل عرض مساعدته على اسبانيا في وقت كانت فيه المناطق المنكوبة تواجه واحدة من اسوأ الكوارث الطبيعية التي عرفتها البلاد خلال العقود الاخيرة.

والاهم من ذلك ان العرض المغربي لم يبق مجرد اعلان دبلوماسي، فقد كان المغرب من اوائل الدول التي قدمت عرضا للمساعدة بعد فيضانات 29 اكتوبر، وبعد قبول السلطات الاسبانية وصل الى المناطق المتضررة فريق مغربي مكون من عشرات العمال، مدعوما بشاحنات متخصصة، للمساهمة في ازالة الوحل والنفايات واعادة فتح المناطق التي اجتاحتها المياه. واعلنت وزارة الداخلية الاسبانية مشاركة 70 عاملا مغربيا و24 شاحنة في هذه العملية، قبل ان تشير تقارير لاحقة الى وصول 80 عنصرا و25 شاحنة.

ولم يكن هذا التضامن مجرد صورة عابرة، فقد وجه رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز الشكر الى فرق البرتغال وفرنسا والمغرب التي كانت تعمل على الارض في فالنسيا، مؤكدا حضور التضامن الدولي في واحدة من اصعب المراحل التي مرت بها اسبانيا بسبب كارثة دانا.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعا، ليس حول الشعب الاسباني، ولا حول المجتمع الاسباني الذي تربطه بالمغرب علاقات انسانية واقتصادية واجتماعية عميقة، وانما حول بعض الخطابات السياسية التي تتعامل مع المغرب بطريقة متناقضة بحسب الظرف. ففي لحظة الكارثة يظهر المغرب كشريك يمكن الاعتماد عليه، وتصل شاحناته وعماله الى المناطق المنكوبة للمساعدة، لكن عندما تعود الملفات السياسية والهجرة والحدود الى واجهة النقاش، يعود لدى بعض التيارات خطاب مختلف تماما.

وهنا ينبغي ان نكون منصفين حتى في نقد الخصوم. فلا يصح القول ان اليمين الاسباني المتطرف لم يساعد ضحايا دانا على الاطلاق، فهناك وقائع منشورة تثبت ان حزب Vox نظم بدوره حملات لجمع المواد الغذائية والمساعدات، وشارك في مبادرات محلية لدعم المتضررين. ولذلك فان جوهر النقاش ليس من ساعد اكثر، ولا من جمع صناديق اكثر، وانما طبيعة الخطاب السياسي الذي يوجه الى المغرب عندما تنتهي لحظة الكارثة وتبدأ الحسابات الانتخابية.

فالمغرب، الذي كان حاضرا في فالنسيا عبر فرق وشاحنات للمساعدة في ازالة اثار الفيضانات، يظهر في بعض الخطابات المتطرفة كعنوان دائم للتهديد والهجرة والمشاكل الامنية. وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لشريك ان يكون موضع ترحيب عندما يحتاج اليه الجميع في الميدان، ثم يتحول الى خصم في الخطاب السياسي بمجرد عودة الملفات الخلافية الى الواجهة؟

هذه المفارقة لا تعني ان الخلاف السياسي بين مدريد والرباط غير مشروع. فلكل دولة مصالحها وحساباتها، ومن حق الاحزاب الاسبانية انتقاد الحكومة المغربية او الاعتراض على سياساتها. لكن الاختلاف السياسي شيء، وتحويل المغربي الى هدف للتحريض والشيطنة شيء اخر تماما.

والواقع ان العلاقات المغربية الاسبانية اكثر تعقيدا من الشعارات التي ترفعها بعض التيارات السياسية. فهناك تعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والارهاب، وتنسيق في ملف الهجرة، ومصالح اقتصادية وتجارية واسعة، فضلا عن حركة بشرية يومية وروابط عائلية وانسانية تجعل البلدين مرتبطين بشكل يصعب اختزاله في خطاب عدائي.

ومن هنا ايضا يجب التمييز بين اسبانيا كدولة وشعب وبين بعض التيارات السياسية المتطرفة. فالملايين من الاسبان لا ينظرون الى المغرب باعتباره عدوا، كما ان ملايين المغاربة لا ينظرون الى الشعب الاسباني باعتباره خصما. هناك مصالح مشتركة وتواصل يومي وجوار جغرافي لا يمكن للخطابات الانتخابية ان تلغيه.

لكن عندما تتحول الهجرة الى ورقة انتخابية، يصبح المغرب حاضرا في الخطاب السياسي بطريقة مختلفة. وعندما تحتاج بعض القوى الى صناعة خصم خارجي لتعبئة الناخبين، يصبح المغربي هدفا سهلا. وهنا لا تعود القضية مرتبطة فقط بالسياسة الخارجية، بل تصبح مرتبطة ايضا بطريقة ادارة الخوف داخل المجتمع.

والمشكلة في هذا النوع من الخطاب انه لا يفرق بين الحكومة والشعب، ولا بين المهاجر والمجرم، ولا بين الخلاف السياسي والعداء الجماعي. وهذه اللغة لا تخدم العلاقات المغربية الاسبانية، ولا تخدم حتى المصالح الاسبانية التي تحتاج في الواقع الى تعاون مستمر مع المغرب في ملفات استراتيجية وحساسة.

واذا كان التضامن الانساني قد جمع المغرب واسبانيا في لحظة الكارثة، فمن المؤسف ان يحاول البعض بعد ذلك اعادة بناء جدران الكراهية. فحين وصلت الفرق المغربية الى المناطق المتضررة، لم تسأل الضحايا عن الحزب الذي يصوتون له، ولم تسألهم عن موقفهم من المغرب، ولم تبحث عن مكسب انتخابي. كانت هناك كارثة وكان هناك انسان يحتاج الى المساعدة.

وهذا هو جوهر التضامن الحقيقي.

ان من حق اسبانيا ان تدافع عن مصالحها، ومن حق المغرب ايضا ان يدافع عن مصالحه وسيادته، لكن الدفاع عن المصالح لا يحتاج الى تحويل الشعوب الى اعداء. ويمكن للدول ان تختلف في الملفات السياسية، بينما يظل التعاون الانساني والاحترام المتبادل قائما.

لقد اثبتت كارثة فالنسيا ان المغرب قادر على ان يكون حاضرا عندما يحتاج اليه جاره، وان العلاقة بين البلدين ليست مجرد بيانات دبلوماسية، بل هي ايضا واقع انساني وميداني. ولذلك فان محاولة اختزال المغرب في خطاب الهجرة والخطر والتهديد تتجاهل جزءا كبيرا من الحقيقة.

في النهاية، الانتخابات تنتهي، والحكومات تتغير، والخطابات السياسية تتبدل، لكن الجغرافيا لا تتغير، وذاكرة التضامن لا تختفي. شاحنات المغرب التي وصلت الى المناطق المنكوبة في فالنسيا تبقى شاهدا على لحظة انتصرت فيها الانسانية على السياسة.

اما الكراهية، مهما ارتفع صوتها، فلن تستطيع محو تلك الحقيقة.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا