اختار عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، تحويل لقاء حزبي بمدينة وجدة إلى منصة لتوجيه رسائل سياسية تتجاوز عرض حصيلة حكومته وبرنامج حزبه، بعدما قدم لأول مرة قراءة علنية للتسريبات التي كشفت جانبا من النقاشات الداخلية للأغلبية، ودافع عن شرعية التفاوض حول الحقائب الحكومية، بالتوازي مع دعوته الناخبين إلى منح التجمع الوطني للأحرار ولاية جديدة لاستكمال الإصلاحات التي قال إنها لم تنته بعد.
وجاءت كلمة أخنوش خلال لقاء تواصلي نظمه حزب التجمع الوطني للأحرار، اليوم الجمعة 28 غشت 2026 بمدينة وجدة، ضمن تحركاته الرامية إلى تعبئة قواعده ورفع جاهزيته قبل انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية، المقررة في 10 شتنبر المقبل. وكان اللقاء مرتقبا باعتباره محطة لإعادة ترتيب صفوف الحزب بجهة الشرق والاستعداد للاستحقاقات التشريعية.
وأولى أخنوش حيزا مهما من كلمته للتسجيل الصوتي المسرب المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس مجلس النواب، معتبرا أن ما ورد فيه لا يعكس مؤامرة أو صراعا داخل الأغلبية، بل نقاشا سياسيا عاديا يجري داخل المؤسسات الحزبية.
ووصف أخنوش الطالبي العلمي بأنه “شخصية سياسية” راكمت تجربة مهمة داخل البرلمان والحكومات والحزب، مشيدا بأدائه ومتمنيا أن ينصفه أعضاء الحزب، في رسالة بدت موجهة إلى تحصين موقعه داخل التنظيم بعد الجدل الذي أثارته التسريبات.
وقال رئيس الحكومة إن الأحزاب السياسية مؤسسات دستورية، وإن مكاتبها السياسية يجب أن تظل فضاءات للنقاش الحر والصريح، محذرا من أن إخضاع المداولات الداخلية للمراقبة والخوف من التسريب سيؤدي إلى إفراغ المؤسسات الحزبية من دورها وإضعاف السياسة في البلاد.
وأضاف أن القياديين الحزبيين من حقهم الاختلاف بشأن الأولويات والقطاعات الحكومية والأشخاص المؤهلين لتدبيرها، موضحا أن أحدهم يمكن أن يعتبر قطاعا معينا أولوية، أو يرى أن مسؤولا لم يحسن تدبير حقيبته وأن من الأفضل إسنادها إلى شخص آخر.
وشدد أخنوش، في المقابل، على أن حرية النقاش داخل المكاتب السياسية تنتهي عند اتخاذ القرار، إذ يصبح الجميع ملزمين بالدفاع عنه وتنفيذه، ولا يجوز نقل الخلافات الداخلية إلى الجمهور أو تحويلها إلى صراعات علنية.
ولم يكتف أخنوش بالدفاع عن الطالبي العلمي، بل قدم شرحا مباشرا للطريقة التي تتشكل بها التحالفات والحكومات بعد الانتخابات، قائلا إن تصدر النتائج لا يكفي وحده لتشكيل الحكومة، بل يتطلب بناء أغلبية حزبية والتوافق مع شركاء قادرين على العمل المشترك.
وأوضح أن كل حزب يدخل مفاوضات تشكيل الحكومة حاملا تصوره للقطاعات التي يرغب في تحمل مسؤوليتها والأسماء التي يقترحها للاستوزار، معتبرا ذلك جزءا طبيعيا من الممارسة السياسية وليس توزيعا سريا للمناصب.
وأكد أن القرار النهائي في تعيين أعضاء الحكومة يعود إلى الملك محمد السادس، بعدما تقترح الأحزاب المشاركة في الأغلبية القطاعات والأسماء التي تراها مناسبة.
وبهذا الموقف، سعى أخنوش إلى نقل النقاش من مضمون التسريبات إلى مشروعية المداولات التي تجري داخل الأحزاب، مقدما ما ورد فيها بوصفه جزءا من التفاوض السياسي السابق لأي تعديل أو تشكيل حكومي، وليس دليلا على وجود ترتيبات محسومة سلفا.
وفي الرسالة السياسية الأبرز خلال اللقاء، قال أخنوش إن الإصلاحات التي باشرتها حكومته “لم تكتمل بعد” وإنها تحتاج إلى مزيد من الوقت، داعيا بشكل واضح إلى تمكين حزبه من مواصلة المسار خلال الولاية المقبلة.
وأكد أن التجمع الوطني للأحرار يحتاج إلى استكمال مشاريعه، وربط ذلك بما وصفه بحجم الأوراش التي أطلقت في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار، إلى جانب معالجة إشكالات الماء والفلاحة والقدرة الشرائية.
واعتبر أن “الشجاعة السياسية” تتمثل في تقديم الحصيلة والبرنامج الانتخابي مبكرا وفتح المجال للنقاش بشأنهما، بدلا من الانتظار إلى الأيام الأخيرة السابقة للحملة الانتخابية لمخاطبة المواطنين.
وقال إن الحزب قدم حصيلته في أبريل، ثم كشف برنامجه الانتخابي في يونيو، في محاولة لتكريس صورة التنظيم المستعد للدفاع عن اختياراته أمام الرأي العام، وليس الحزب الذي يكتفي بإطلاق الوعود خلال فترة الحملة.
وعاد أخنوش إلى المؤشرات الاقتصادية للدفاع عن حصيلة الحكومة، مشيرا إلى تسجيل معدل نمو بلغ، بحسب الأرقام التي عرضها، 5.3 في المائة، رغم القيود والصعوبات التي واجهها الاقتصاد الوطني.
كما توقف عند مسار التضخم، مبرزا أنه انتقل من مستويات مرتفعة بلغت 6.5 في المائة إلى أقل من واحد في المائة، ثم إلى نحو 0.3 في المائة خلال السنة الجارية، مع الإقرار بأن معالجة الغلاء لا يمكن اختزالها في المؤشرات العامة، بل تقتضي مواصلة العمل على الإنتاج والاستثمار والفلاحة والماء.
وربط أخنوش الإمكانات المالية التي عبأتها الحكومة لتمويل الأوراش الاجتماعية بتحسن النشاط الاقتصادي وتعزيز الثقة في المغرب ومؤسساته، مؤكدا أن تمويل إصلاحات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية يتطلب اقتصادا قادرا على خلق الموارد وليس مجرد إطلاق الوعود.
ودافع عن تقدم برنامج مدارس الريادة، قائلا إن نسبة تعميمه بلغت 80 في المائة، وإن الحكومة تعتزم استكماله في التعليم الابتدائي ثم توسيعه ليشمل الإعدادي والثانوي.
وفي قطاع الصحة، أشار إلى رفع قدرات تكوين الأطباء والأطر الصحية، معتبرا أن نتائج هذا الورش ستظهر بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة، بعد الزيادة المرتقبة في أعداد الخريجين.
وفي ملف التشغيل، تمسك أخنوش بأن حكومته أوفت بجزء أساسي من تعهداتها، مؤكدا أن عدد فرص العمل المستحدثة بلغ نحو مليون منصب، رغم توالي سنوات الجفاف وتأثيرها الكبير في النشاط الفلاحي وعدد من القطاعات المرتبطة به.
وأوضح أن احتساب فرص العمل لا يقتصر على الوظائف العمومية، بل يشمل مختلف الأنشطة التي يحصل منها المواطنون على دخل، معترفا بأن الجفاف الذي امتد خمس سنوات تسبب في فقدان مناصب عديدة وأضعف قدرة الاقتصاد على تحقيق نتائج أكبر.
المصدر:
العمق