دخلت أزمة الهجرة في مدينة سبتة المحتلة منعطفا جديدا من التوتر، بعدما تحولت الاحتجاجات الحاشدة التي ينظمها سكان المدينة خلال الأيام الجارية للمطالبة بترحيل المهاجرين واستقالة المسؤولين السياسيين إلى مواجهات وأعمال عنف استهدفت، في عدد من الحالات، تجمعات المهاجرين وممتلكاتهم، فيما اضطرت قوات الأمن الإسبانية إلى التدخل باستخدام عيارات تحذيرية والغاز المسيل للدموع لاحتواء الوضع.
وتزامن هذا التصعيد مع استمرار الاحتجاجات في سبتة على خلفية أزمة الهجرة، والتي تحولت من تجمعات أمام مقر مندوبية الحكومة الإسبانية إلى تحركات في اتجاه أماكن إقامة المهاجرين، خصوصا في عدد من الشواطئ التي أصبحت تضم مئات الأشخاص في مخيمات وتجمعات مؤقتة.
وشهدت الساعات الأخيرة واحدة من أكثر ليالي الأزمة توترا، بعدما توجه نحو 400 شخص، وفق معطيات نقلتها وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” عن مصادر أمنية، نحو شاطئ “الترامبولين”، حيث حاول بعضهم الاعتداء على مهاجرين صادفوهم في طريقهم، قبل أن تتدخل قوات الأمن لمنع وصولهم إلى المنطقة.
وبحسب المصدر ذاته، فقد استخدمت قوات الأمن عيارات تحذيرية في الهواء لاحتواء المحتجين ومنعهم من الوصول إلى تجمعات المهاجرين، بينما تمكنت مجموعة أخرى من الوصول إلى شاطئ “بنيتيز”، حيث يقيم مئات المهاجرين، وقامت بمضايقتهم وإلقاء أغطية وفرشات وممتلكات أخرى كانت موجودة على الرمال في البحر.
ولم تتوقف المواجهات عند هذا الحد، إذ امتدت الاضطرابات إلى مناطق أخرى من المدينة، وتسببت في قطع حركة المرور وإلقاء حاويات النفايات، فيما انتشرت الشرطة الوطنية والمحلية بشكل واسع لمواكبة تحركات المحتجين ومنع وقوع مواجهات جديدة.
وفي تطور لافت يعكس مستوى التصعيد، أقدم محتجون، اليوم الخميس، على إحراق مظلتين مصنوعتين من القش في تجمع صغير للمهاجرين بالقرب من أحد الشواطئ المحاذية لمحطة تحلية المياه.
وقالت “إيفي” إن المحتجين دخلوا إلى المنطقة وهم يحملون علما إسبانيا ضخما، ما دفع المهاجرين الموجودين في المكان إلى الفرار باتجاه الجدار الخلفي لمحطة تحلية المياه، بينما تقدم المحتجون نحو الشاطئ مرددين شعارات مناهضة لاستمرار المهاجرين في المدينة، من بينها “سبتة لا تباع، سبتة تُدافع عنها” و”الغزاة، الترحيل”.
وخلال الاحتجاج، أضرم بعض المشاركين النار في مظلتين من القش، ما تسبب في تصاعد عمود كثيف من الدخان، قبل أن تنتشر قوات الشرطة في المنطقة لمنع استمرار إحراق الأكواخ والملاجئ التي أقامها المهاجرون على شاطئ “الترامبولين”.
ويأتي ذلك بعد ساعات من حادثة أخرى، بعدما منع مئات المحتجين مركبة تابعة للصليب الأحمر من الوصول إلى شاطئ “الترامبولين” لأكثر من ساعتين، حيث كانت متوجهة لتوزيع الطعام والماء على المهاجرين.
12 موقوفا بعد مهاجمة عسكريين
وفي أخطر فصول التصعيد، أعلنت الشرطة والحرس المدني توقيف 12 مهاجرا من الجنسية المغربية، للاشتباه في تورطهم في رشق سيارة كانت تقل أربعة عسكريين بالحجارة، خلال الساعات الأولى من صباح الخميس.
ووفق “إيفي”، فقد حاصر ما بين 30 و40 شخصا، في حدود الساعة الخامسة والنصف صباحا بمنطقة بنزو، سيارة كان على متنها أربعة عسكريين، قبل أن يشرعوا في رشقها بحجارة كبيرة الحجم.
وتمكن العسكريون من الفرار، بعدما أصيبوا بجروح استدعت تلقيهم العلاج، قبل إبلاغ خدمة الطوارئ، ما أدى إلى تدخل عناصر الشرطة الوطنية والحرس المدني وتوقيف 12 شخصا من الجنسية المغربية، فيما حاول بعض المتورطين، بحسب المصدر ذاته، الفرار عبر البحر، ما استدعى تدخل جهاز البحرية التابع للحرس المدني.
ولا تزال التحقيقات مفتوحة لتحديد هوية باقي المشاركين في الاعتداء، في وقت تواصل فيه قوات الأمن انتشارها في المناطق التي شهدت الاحتجاجات والاضطرابات.
وكان آلاف من سكان سبتة قد احتشدوا، الأربعاء، أمام مقر مندوبية الحكومة الإسبانية، مطالبين بترحيل المهاجرين الذين ما زالوا يتواجدون في شوارع المدينة، كما طالبوا باستقالة مندوب الحكومة في المدينة، ميغيل أنخيل بيريز تريانو، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز.
ويأتي هذا الغضب في ظل وجود آلاف المهاجرين في نقاط مختلفة من سبتة، وفي أعقاب سلسلة من الشجارات والاضطرابات التي تقول السلطات إنها ساهمت في تعزيز الشعور بانعدام الأمن لدى جزء من السكان.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، كانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت تعيين قيادة موحدة لتنسيق الاستجابة للوضع، كما كشفت عن خطط لتجهيز مواقع مخصصة لتجميع المهاجرين الموجودين في الشوارع مؤقتا، بهدف تحديد هوياتهم وإجراء التقييم الأولي لأوضاعهم، قبل تحديد وضع كل حالة وتفعيل إجراءات العودة أو الترحيل التي يسمح بها القانون.
لكن هذه الإجراءات لم تبدد غضب المحتجين، الذين يرفضون إقامة مرافق لإيواء أو تجميع المهاجرين بالقرب من المناطق السكنية والمدارس، ويطالبون بحل سريع للأزمة.
وفي خضم هذا التصعيد، شدد وزير السياسة الإقليمية والمسؤول عن القيادة الموحدة لأزمة سبتة، أنخل فيكتور توريس، على ضرورة تجنب أي أعمال عنف، مؤكدا أن إعادة المهاجرين يجب أن تتم “في إطار القانون”.
* صورة “إيفي” و”إل فارو دي سبتة”
المصدر:
العمق