آخر الأخبار

جدل الرسوم الجامعية يشتد.. حقوقيون يحاصرون ميداوي: الجامعة للعلم وليست فضاء لتعميق الطبقية

شارك

يتسارع زحف القلق في الأوساط الأكاديمية والحقوقية بالمغرب مع تصاعد حدة الرفض لقرار فرض رسوم التسجيل على طلبة سلكي الماستر والدكتوراه بالجامعات العمومية، في خطوة باتت تُوصف بأنها مساس مباشر بجوهر الحق في التعليم وتراجع عن التزامات الدولة الدستورية. ومع بلوغ التكاليف المحددة 20 ألف درهم للدكتوراه و15 ألف درهم للماستر، تحولت المبادرة التي أُعلنت كمدخل “لتحسين الجودة” إلى موضوع مساجلة قانونية وسياسية حامية، تضع مبدأ مجانية التعليم والعدالة الاجتماعية على المحك.

وفي هذا السياق، خاضت الفعاليات الحقوقية — وفي مقدمتها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان — مواجهة صريحة مع وزارة التعليم العالي، مُطالبة بالتجميد الفوري لهذه المقابلات المالية. واستند الحقوقيون في موقفهم إلى نصوص الفصل 31 من الدستور والمواثيق الدولية، فضلا عن اجتهادات قضائية صريحة لمحكمة النقض تُحظر فرض عوائق مالية تحول دون ولوج المرافق العمومية، حازمين بأن الجامعة يجب أن تظل شريانا لتكافؤ الفرص والرأسمال البشري، لا ساحة لتسقيف المعرفة وتعميق الطبقية.

ووجهت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان رسالة مفتوحة إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، طالبت فيها بالوقف الفوري للعمل بنظام الرسوم الجامعية، إلى حين إخضاعه لنقاش وطني تشاركي يستحضر المقاربة الحقوقية والدستورية، ويقيّم مدى انسجامه مع التزامات المملكة الدولية في مجال الحق في التعليم.

إقرأ أيضًا
“خرق للدستور وتكريس للفوارق”.. مطالب برلمانية وحقوقية بتعليق رسوم الجامعات وحماية مجانية التعليم مصدر الصورة

واعتبرت العصبة أن تحديد الرسوم في 20 ألف درهم سنويا بالنسبة إلى سلك الدكتوراه و15 ألف درهم بالنسبة إلى سلك الماستر، من دون مراعاة التفاوت في مستويات الدخل والقدرة الاقتصادية للطلبة، يطرح إشكالا حقيقيا بشأن العدالة الاجتماعية ومبدأ الإنصاف.

وأكدت الهيئة الحقوقية ضرورة احترام الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب في مجال الحق في التعليم، باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، محذرة من أن القيود المالية قد تؤدي عمليا إلى إقصاء فئات واسعة من المجتمع من متابعة الدراسات العليا.

واستندت العصبة، في هذا الصدد، إلى الفصل 31 من الدستور المغربي، والمادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى جانب المادتين 13 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تنص على ضمان إتاحة التعليم العالي للجميع على أساس الكفاءة، والعمل على جعله متاحا تدريجيا بالمجان.

كما طالبت بمراجعة الإجراءات التي يترتب عنها أثر رجعي أو تمس بالمراكز القانونية المكتسبة، بما ينسجم مع مبادئ الأمن القانوني والمشروعية وحماية الحقوق المكتسبة. ودعت، في حال اعتماد أي نظام للرسوم، إلى إخضاعه لمبادئ العدالة الاجتماعية والتناسب والقدرة على الأداء، مع إقرار إعفاءات فعلية وشاملة لفائدة الطلبة المنتمين إلى الفئات محدودة الدخل والهشة.

انتقادات لإجراءات إعادة التسجيل

وسجلت العصبة، بقلق، اعتماد بعض المؤسسات الجامعية معايير وإجراءات اعتبرتها ذات أثر رجعي عند إعادة التسجيل. وأوضحت أن بعض الطلبة الذين سجلوا خلال الموسم الجامعي السابق بصفتهم غير موظفين، يُطلب منهم عند إعادة التسجيل الإدلاء بشهادة عدم العمل، أو أداء الرسوم الجديدة في حال تغيرت وضعيتهم المهنية.

وترى العصبة أن مركز الطالب القانوني كان قد استقر عند التسجيل الأول وفق المقتضيات القانونية والتنظيمية المعمول بها آنذاك، معتبرة أن تحميله لاحقاً أعباء مالية جديدة قد يثير إشكالات مرتبطة بالأمن القانوني وحماية المراكز القانونية المكتسبة.

إقرأ أيضًا
وسط جدل رسوم الدكتوراه والماستر.. أفضل جامعة مغربية في الرتبة 29 إفريقيا و1505 عالميا مصدر الصورة

كما أشارت إلى حالة أخرى تتعلق بالطلبة الذين يفقدون عملهم بعد التسجيل، معتبرة أن عدم استفادتهم من الإعفاءات يطرح بدوره تساؤلات حول مدى احترام مبدأ المساواة وعدم التمييز.

وبحسب العصبة، فإن هذه الممارسات تثير شكوكا بشأن احترام مبدأ الأمن القانوني وعدم رجعية القرارات الإدارية عندما ترتب آثاراً تمس الحقوق المكتسبة، فضلاً عن علاقتها بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور، ومبدأ المساواة وعدم التمييز المكرس في المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

الاستناد إلى قرار لمحكمة النقض

وأكدت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان أن مراجعة الرسوم أصبحت، من وجهة نظرها، ضرورة لضمان احترام الدستور والاجتهاد القضائي وحماية الحق في التعليم.

وفي هذا الإطار، استحضرت قرارا لمحكمة النقض صدر في 3 يناير 2019، قالت إنه يؤكد أن الإدارة لا تملك صلاحية فرض رسوم من شأنها الحيلولة دون الولوج إلى التكوين، باعتبار الجامعة مرفقا عموميا ملزما بضمان المساواة وتكافؤ الفرص، وليس تقييدهما.

وترى العصبة أن أي سياسة عمومية تجعل الولوج إلى الدراسات العليا مرتبطاً بالقدرة المالية للأفراد تطرح تساؤلات جدية حول مدى انسجامها مع الالتزامات الدستورية والدولية للمملكة.

وأضافت أن التزام الدولة بالحق في التعليم لا يقتصر على الامتناع عن المساس بهذا الحق، بل يشمل أيضا اتخاذ تدابير إيجابية تضمن الولوج المنصف إليه، وعدم اعتماد إجراءات من شأنها التراجع عن مستوى الحماية التي سبق تحقيقها، إلا في حالات الضرورة القصوى، ووفق معايير المشروعية والتناسب ومبررات موضوعية ومقنعة.

الرسوم الموحدة والعدالة الاجتماعية

واعتبرت العصبة أن فرض مبلغ موحد على مختلف الفئات، بصرف النظر عن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، لا يحقق بالضرورة المساواة الفعلية، التي تقتضي مراعاة اختلاف المراكز القانونية والقدرة على تحمل الأعباء.

وحذرت من أن هذا النوع من الرسوم قد يؤدي إلى تمييز غير مباشر ضد الطلبة المنتمين إلى الفئات محدودة الدخل، بما يتعارض، وفق تصورها، مع مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص التي يكرسها الدستور والمواثيق الدولية.

كما رفضت الاستناد إلى تجارب بعض الدول لتبرير فرض الرسوم الجامعية، معتبرة أن المقارنة لا تكون سليمة إلا باستحضار مختلف عناصر المنظومة القانونية والاجتماعية والاقتصادية لكل دولة.

وأوضحت أن الدول التي تعتمد رسوماً جامعية تقرنها، في الغالب، بأنظمة للمنح الدراسية والقروض الجامعية والحماية الاجتماعية، إلى جانب مستويات أجور مرتفعة وضمانات أوسع للإدماج المهني، وهي عناصر قالت إن مقارنتها مع الواقع المغربي تظل ضرورية قبل اعتماد أي نموذج مماثل.

غياب مؤشرات واضحة حول أثر الرسوم

وفي ما يتعلق بمبررات فرض الرسوم، قالت العصبة إن اعتبارها مدخلا لتحسين جودة التعليم العالي يحتاج إلى مؤشرات موضوعية وقابلة للقياس تثبت هذا الارتباط.

وأشارت إلى أن الرسوم التي فرضتها بعض الجامعات المغربية خلال السنوات الأخيرة لم يتضح، بحسبها، أنها انعكست بشكل ملموس على جودة التكوين أو البحث العلمي أو ترتيب الجامعات أو ظروف الدراسة.

كما أثارت مسألة استخلاص الرسوم خلال الموسم الجامعي الماضي، معتبرة أن العملية لم تواكبها معطيات دقيقة ومنشورة حول أوجه صرف الموارد المحصلة، أو مدى انعكاسها على مؤشرات الحكامة والنجاعة والجودة.

وترى العصبة أن هذا الوضع يطرح بدوره إشكالات مرتبطة بالحق في الحصول على المعلومات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وشفافية تدبير المال العام، باعتبارها مبادئ دستورية تؤطر العمل الإداري.

الجامعة فضاء لتكافؤ الفرص

وشددت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان على أن الحق في متابعة الدراسة، بما في ذلك الدراسات العليا، ينبغي أن يظل مكفولاً لجميع المواطنات والمواطنين دون تمييز على أساس الوضع الاجتماعي أو القدرة المالية.

واعتبرت أن تشجيع الأجراء ومختلف الفئات الاجتماعية على استكمال تكوينهم الأكاديمي يمثل استثمارا في الرأسمال البشري، ويسهم في تطوير الإدارة والاقتصاد والبحث العلمي، محذرة من أن يتحول التعليم العالي إلى امتياز لا يستفيد منه سوى القادرين على تحمل تكاليفه.

وخلصت العصبة إلى أن الاستثمار الحقيقي في الجامعة المغربية لا يتحقق، وفق رؤيتها، عبر تحميل المواطنات والمواطنين أعباء مالية إضافية، وإنما من خلال الوفاء بالالتزامات الدستورية والدولية للدولة، وتعزيز الحكامة الجيدة، والرفع من جودة التكوين والبحث العلمي، وتوفير الموارد الضرورية لضمان تعليم عالٍ منصف وجيد ومتاح للجميع.

وأكدت أن الجامعة ينبغي أن تظل فضاءً لإعمال المساواة وتكافؤ الفرص والتنمية البشرية، لا مجالاً لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية، أو عاملاً يدفع الكفاءات الوطنية إلى البحث عن فرص التعليم والبحث العلمي خارج المغرب.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا