أشعلت أحكام صادرة عن المحكمة الابتدائية بتطوان، أول أمس الإثنين، والقاضية بإدانة خمسة من سائقي سيارات الأجرة من الصنف الكبير بستة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 10 آلاف درهم لكل واحد منهم، بتهمة المساعدة على الهجرة غير النظامية على خلفية أحداث سبتة الأخيرة، موجة واسعة من الغضب والاستغراب في صفوف مهنيي القطاع، الذين اعتبروا أن القضاء حمل السائقين مسؤوليات “لا يخولها لهم القانون”، معلنين اللجوء إلى محكمة الاستئناف للطعن في الأحكام.
ففي تصريحات لجريدة “العمق”، وصف مسؤولون نقابيون الأحكام بأنها “قاسية” و”غير مفهومة”، معتبرين أنها تطرح إشكالا قانونيا حول حدود المسؤولية الجنائية لسائق سيارة الأجرة، في وقت لم يكن فيه أي قرار رسمي يمنع التنقل نحو مدينة الفنيدق خلال الأيام التي سبقت محاولة الهجرة الجماعية نحو سبتة.
وقال رضا بنعجيبة، الكاتب المحلي للنقابة الوطنية لسيارات الأجرة بتطوان، إن السائقين الخمسة فوجئوا بتوقيفهم من طرف المصالح الأمنية، قبل وضعهم تحت الحراسة النظرية وإحالتهم على محاكمة سريعة انتهت بإدانتهم، رغم أنهم كانوا، بحسب تعبيره، “يزاولون عملهم الاعتيادي داخل التراب الوطني”.
وأضاف المسؤول النقابي أن سائق سيارة الأجرة “ليست له الصفة الضبطية التي تخوله مطالبة الركاب ببطائق تعريفهم أو مساءلتهم عن نواياهم”، متسائلا: “كيف يمكن لسائق أن يعرف إن كان الراكب متوجها إلى الفنيدق لزيارة عائلته أم لمحاولة الهجرة؟”.
واعتبر المتحدث أن الفنيدق “مدينة مغربية يكفل الدستور حرية التنقل إليها”، مؤكدا أنه “لم يصدر أي قرار يمنع سيارات الأجرة من نقل المواطنين إليها”، وهو ما يجعل، بحسب رأيه، ربط عملية النقل بجريمة المساعدة على الهجرة غير النظامية “أمرا يفتقد للأساس القانوني”.
واستشهد بنعجيبة بحالات قال إنها توضح تعقيد الوضع، من بينها سائق “طاكسي” من تطوان نقل امرأة وابنتها من طنجة إلى الفنيدق بمبلغ 500 درهم بعدما رفض معظم سائقي طنجة نقلهم، متسائلا: “هل كان يفترض به أن يعتبرهما مهاجرتين غير نظاميتين؟”.
كما أوضح أن الازدحام غير المسبوق الذي عرفه محور تطوان-الفنيدق خلال الأيام الأولى للأزمة، والذي امتدت فيه مدة الرحلة إلى ثلاث ساعات بدل عشرين دقيقة، دفع بعض الركاب إلى عرض مبالغ كبيرة على السائقين، وصلت أحيانا إلى ألف درهم للرحلة الواحدة، وهو ما أغرى بعض المهنيين في ظل أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، دون أن يعني ذلك، وفق تعبيره، مشاركتهم في تنظيم الهجرة.
وأوضح المسؤول النقابي أن النقابة استأنفت الأحكام، اليوم الأربعاء، كما طعنت فيها النيابة العامة بدورها، معربا عن أمله في أن “تتدارك محكمة الاستئناف ما وقع”، مضيفا أن عددا من المحامين ورجال القانون الذين تواصلوا مع النقابة يعتبرون أن هذه الأحكام “لن تصمد أمام الاستئناف”.
من جانبه، قال علي يونس، الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية لسيارات الأجرة بتطوان والمنسق الوطني للنقابة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، إن الأحكام “تدمي القلب”، معلنا شروع النقابة في تحركات للتواصل مع المسؤولين القضائيين لمعرفة الأسس القانونية التي بنيت عليها.
وأضاف أن تحميل سائقي سيارات الأجرة وحدهم مسؤولية ما وقع “يفتقد إلى المنطق”، متسائلا: “إذا كان مجرد نقل المواطنين إلى الفنيدق يشكل جريمة، فلماذا لا تتم مساءلة سائقي الحافلات والقطارات والسيارات الخاصة الذين نقلوا الآلاف إلى المدينة؟”، معتبرا أن ما وقع يبدو وكأنه “تعليق للمسؤولية على شماعة السائقين المهنيين”.
وفي هذا السياق، أصدرت النقابة الوطنية لسيارات الأجرة التابعة للفيدرالية الديمقراطية للشغل بلاغا استنكاريا، أكدت فيه احترامها لاستقلال السلطة القضائية، لكنها عبرت عن استغرابها من “قساوة الأحكام”، معتبرة أنها لم تراع طبيعة عمل السائق وحدود مسؤولياته القانونية، ولا الظروف الاستثنائية التي عرفتها المنطقة خلال الأزمة.
وشدد البلاغ الذي توصلت “العمق” بنسخة منه، على أن السائق المهني “ليس جهازا للضبط أو المراقبة”، ولا يمكن تحميله مسؤولية مراقبة هوية الركاب أو استجوابهم بشأن وجهتهم أو نواياهم، مذكرا بأن حرية التنقل داخل التراب الوطني حق يكفله الفصل 24 من الدستور، ما دام لم يصدر أي قرار قانوني يقيد هذا الحق.
من جهتها، أعلنت النقابة الوطنية لمهنيي سيارات الأجرة التابعة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب تضامنها مع أحد السائقين المدانين، معتبرة أن اعتقاله ومحاكمته السريعة “يثيران الاستغراب”، خاصة أنه كان، بحسب روايتها، ينقل مواطنة مغربية من طنجة إلى الفنيدق أثناء مزاولة عمله.
ولوحت النقابة في بلاغ لها، تتوفر “العمق” على نسخة منه، بخوض أشكال احتجاجية تصعيدية، تبدأ بوقفات احتجاجية بمحطة سيارات الأجرة بالمحطة الطرقية لتطوان وتمر أمام المؤسسات المعنية بالملف، وقد تصل إلى تنظيم مسيرة نحو محكمة الاستئناف، للمطالبة بإنصاف السائقين وإعادة النظر في الأحكام الصادرة في حقهم.
وتأتي هذه القضية في سياق التداعيات المتواصلة لأحداث الهجرة الجماعية غير المسبوقة نحو مدينة سبتة المحتلة، والتي شهدت توافد عشرات الآلاف من المغاربة إلى نحو الثغر المحتل، في واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية التي عرفتها المنطقة.
وأسفرت الأحداث عن سقوط عشرات الضحايا والمفقودين، وإيقاف عدد من الأشخاص بتهم مرتبطة بالهجرة غير النظامية، بينما تواصل السلطات المغربية والإسبانية التحقيق في ملابسات ما جرى، وسط استمرار الجدل حول المسؤوليات القانونية والجنائية المرتبطة بالأزمة.
المصدر:
العمق