أكد الباحث في العلاقات الدولية، عبد الوهاب الكاين، أن الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، المنطلق كفعل تنفيذي في دجنبر 2020، يمثل تحولا جوهريا في بنية النزاع الإقليمي، مبرزا أن هذا الموقف أثبت ثباتا استراتيجيا تجاوز تقلبات الإدارات المتعاقبة وصولا إلى إعادة التأكيد الصريحة والقطعية في غشت 2026، حين وصفت مبادرة الحكم الذاتي بالأساس الوحيد والواقعي لحل دائم، مع اعتبار أي مسار بديل مجرد إطالة غير مقبولة للوضع الراهن.
وكان الديوان الملكي قد أعلن، في بلاغ سابق، أن الملك محمد السادس توصل، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، ببرقية تهنئة من الرئيس الأمريكي دونالد ج. ترامب، جدد فيها تأكيد موقف الولايات المتحدة الداعم لسيادة المغرب على صحرائه، معتبرا أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تشكل “الأساس الوحيد” للتوصل إلى حل عادل ودائم لهذا النزاع. كما أشاد ترامب بمتانة العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، مؤكدا أن الوقت قد حان لإنهاء هذا النزاع، وأن واشنطن ستواصل جهودها لدفع مسار التسوية نحو إحراز تقدم.
وأوضح الكاين في تصريح لجريدة العمق أن القيمة الحقيقية لهذا الاعتراف لا تكمن فقط في تغيير الوضع القانوني للإقليم كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي من منظور القانون الدولي الصرف، بل تتجلى في قدرته الفائقة على إعادة تشكيل موازين القوى داخل مجلس الأمن الدولي، وتوجيه بوصلة التفاوض نحو آفاق سياسية جديدة تتجاوز السرديات التقليدية المعطوبة التي تجاوزها الزمن.
وأشار المصدر عينه إلى أن الولايات المتحدة، بصفتها حاملة للقلم في ملف النزاع، تجسد مركزا إجرائيا محوريا يتيح لها إعداد المسارات المعيارية وصياغة التوجهات الكبرى للقرارات الأممية، في تناغم تام بين صلاحياتها المؤسسية ومواقفها السيادية المعلنة، معتبرا أن هذا الدور يتجاوز مجرد التيسير الإداري ليصبح أداة استراتيجية لتقويم وتنزيل قواعد القانون الدولي وفق منظور الواقعية السياسية غير المتعارضة مع مقتضيات الشرعية، حيث أضحت قدرة الفاعل الدولي على حشد التوافق وضمان نفاذ المقررات هي المعيار الأسمى للملاءمة الإجرائية والصدقية الدبلوماسية داخل مجلس الأمن.
وأضاف الكاين أن القرار رقم 2797 لعام 2025 شكل التجسيد الأمثل لهذا النفوذ، إذ عكس تحولا في الممارسة الإجرائية المستقرة للمجلس نحو تكريس حلول عملية تتجاوز الجمود التاريخي، مبينا أن واشنطن نجحت في صهر رؤيتها السيادية ضمن قالب شرعي أممي يمنح مبادرة الحكم الذاتي زخما تنفيذيا غير مسبوق، ضمن موازنة وتناغم بين مقتضيات القانون الدولي والحقائق الجيوسياسية الميدانية، إبرازا لفاعلية الأمم المتحدة في فض النزاعات بما يضمن استدامة السلم والأمن في المنطقة.
وكشف المصدر ذاته أن إعادة تكريس المقاربة الأمريكية والزخم المعياري الذي وضعه القرار 2797، أفضيا إلى إحداث حالة من الانكماش الوظيفي في نطاق المناورة المتاح لولاية المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا، مسجلا أنه رغم بقاء الصلاحيات الرسمية للمبعوث ثابتة من الناحية النصية والمتمثلة أساسا في تيسير الحوار بين الأطراف الأربعة، إلا أن الجوهر العملي لهذه المهمة خضع لعملية إعادة صياغة قسرية فرضتها موازين القوى الجديدة.
وتابع المتحدث مبرزا أنه رغم عدم المساس ببنية التكليف الأممي، فإن هذا التحول أعاد رسم السقف السياسي والتفاوضي للوساطة، خصوصا مع انتقال الولايات المتحدة من الحياد الإجرائي إلى التبني الصريح لمبادرة الحكم الذاتي، مدعومة باصطفاف قوى دولية وازنة كفرنسا، ما جعل المبعوث الأممي أمام مسار للتقويم والإعادة إلى السكة الصحيحة، وهو ما يقود إلى انتقال العملية السياسية من مرحلة استكشاف الحلول المفتوحة إلى مرحلة إنضاج الحل الواقعي الوحيد الذي يحظى بمباركة المجتمع الدولي، ويستجيب لتطلعات سكان الصحراء، مقدما حلا جذريا لمعاناة قاطني مخيمات تندوف.
واستطرد الباحث موضحا أنه في ظل الواقع الجيوسياسي الحالي، تراجع خيار المطالبة بالاستقلال من خانة البدائل التفاوضية الحية ليودع في ركن المقاربات النظرية العقيمة ميدانيا، رغم حضوره الطفيف في لغة المجلس الرسمية لتجنب القطيعة القانونية مع الميثاق، مشددا على أن المبعوث الشخصي للأمين العام أصبح يمارس مهامه تحت ضغط واقعية سياسية صلبة لا تترك له سوى حيز ضيق لتجسير الفجوات التقنية ضمن إطار الحكم الذاتي، بدلا من البحث عن تسويات خارج هذا القالب الذي بات يشكل العمود الفقري للشرعية الدولية المتجددة.
وخلص الكاين إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تتوجه نحو فرض منظور تأويلي حاسم سيحكم قراءة تقارير المبعوث المستقبلي وتقييم منجزاته أمام أعضاء المجلس، مستدلا بتصريحات كبار مستشاري الإدارة الأمريكية التي تشير إلى أن المعيار الأوحد للنجاح بات يرتبط بمدى التقدم في تفعيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، معتبرا أن هذا التوجه يرسل إشارة واضحة تفيد بأن المرحلة القادمة لن تكون مخصصة للمفاوضات المفتوحة، بل لترجمة هذا المنظور الأمريكي الأممي المشترك إلى واقع مؤسساتي ينهي النزاع ضمن وحدة الدولة المغربية.
المصدر:
العمق