كشفت التصريحات الأخيرة لوالي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، عن وجود فجوة بين لغة الأرقام والواقع المعيشي للمواطنين. فبالرغم من طمأنته على أن التضخم سيعرف انخفاضا بنسبة 1.5% خلال السنة الجارية، معتبرا أن هذا الانخفاض يعكس مدى قدرة ونجاعة السياسة النقدية المغربية على مواجهة الأزمات.
إلا أنه في المقابل تقف قفة المواطن حائرة أمام التهاب الأسعار، مما يجعلها تطرح سؤالا حول هذه الفجوة الصارخة بين لغة الأرقام وواقع معيشي يتسم بالغلاء. فهذا التناقض، الذي أطلق عليه والي بنك المغرب “التضخم المحسوس”، يفتح الباب أمام نقاش يسائل تدبير مسألة التضخم والطبيعة الاستهلاكية للمغاربة.
وفي تشخيصه لوضعية السوق، أعطى الجواهري خلال أطوار الندوة الصحفية مثالا مباشرا بأسعار مستلزمات القفة اليومية للمواطن، فبينما تتحدث الأرقام عن تضخم لا يتجاوز 1.5%، ما يزال المواطن يقتني المواد الغذائية بأسعار مرتفعة تنهك جيوبه.
وفي نفس السياق، أوضح الجواهري أن المواطن المغربي يبني إحساسه بالتضخم بناء على سلة ضيقة من “المنتجات الغذائية الأساسية” التي يقتنيها بشكل يومي، في حين أن المندوبية السامية للتخطيط ترتكز في حساباتها الرسمية على سلة واسعة تضم مجموعة من السلع والخدمات. وبالتالي، فإن انخفاض أسعار بعض المكونات غير اليومية يخفض المعدل العام للتضخم، حتى لو استمرت أسعار الخضر واللحوم في الارتفاع.
وتعليقا على هذه التصريحات، يقدم يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، قراءة تقنية لهذا التباين، حيث يرى أن مقاربة المندوبية السامية للتخطيط المعتمدة حاليا يجب إعادة النظر فيها لتكون أكثر قربا من الواقع المعيشي.
ويقترح كراوي الفيلالي، في تصريح لـ”العمق”، مقاربتين أساسيتين؛ على رأسها إدراج مواد جديدة تعكس بدقة استهلاك المغاربة، ويليها تقليص وزن المواد غير الأساسية التي لا تمس بشكل مباشر القوت اليومي للمواطن.
وأكد الخبير الاقتصادي على ضرورة خلق “مؤشر خاص” وحصري بالمواد ذات التضخم المرتفع والمرتبطة بالاستهلاك اليومي (كاللحوم، الخضر، والفواكه)، داعيا إلى تتبع هذا المؤشر عبر تقييم “أسبوعي وشهري” لضبط التذبذبات الحادة في الأسعار، مشيرا إلى أن أسعار بعض المواد الأساسية كـ “الطماطم” قد تقفز إلى 15 درهما ثم تنخفض، لترتفع مرة أخرى، وهو نفس المسار الذي اتبعته أسعار اللحوم البيضاء والحمراء.
ومن جانب آخر، يرى الخبير الاقتصادي أن من النقاط الهامة التي تساهم بشكل أو بآخر في فك شفرة هذه الفجوة، هو الخلط الشائع حول مفهوم استقرار التضخم في 1.5%، حيث يوضح أن هذا الرقم لا يعني “انخفاض الأسعار”، بل يعني أن المادة التي ارتفع سعرها سابقا إلى 115 درهما، سيرتفع سعرها هذه السنة بـ 1.5% لتصل إلى 116 درهما.
وأكد كراوي على طبيعة “التضخم التراكمي”، محذرا من تجاهل الارتفاعات السابقة التي بلغت 10% و20% و30% في بعض المواد خلال السنوات الماضية، وأوضح أن الاستقرار الحالي للتضخم يأتي بعد موجات غلاء سابقة، مما يجعل الأسعار تستقر في مستويات عالية جدا ومكلفة على ميزانية الأسر، دون أن تتراجع إلى مستويات ما قبل الأزمات.
أكد الخبير الاقتصادي محمد جدري أن تراجع معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، مشيرا إلى أن هذه النقطة تشكل أحد أبرز أوجه الخلط لدى الرأي العام. وأوضح أن حديث بنك المغرب عن انخفاض التضخم إلى 1.5 في المائة يعني أن وتيرة ارتفاع الأسعار أصبحت أبطأ مقارنة بالسنوات الماضية، وليس أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة.
وأوضح جدري في تصريح لجريدة “العمق”، أن تسجيل أسعار المواد الغذائية ارتفاعا بنسبة 10 في المائة سنة 2024، ثم بنسبة 2 في المائة فقط سنة 2026، يعكس بالفعل تراجعا في معدل التضخم، غير أن الأسعار تظل مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات. ولذلك، يظل المواطن يشعر باستمرار موجة الغلاء رغم التحسن المسجل في المؤشرات الرسمية.
وأضاف أن الأسر المغربية تخصص جزءا مهما من ميزانياتها للمواد الغذائية والنقل والسكن، وهي القطاعات التي عرفت زيادات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. وبالتالي، فإن الإحساس اليومي للمواطن بالوضع المعيشي يتأثر أساسا بأسعار هذه المواد والخدمات الأساسية أكثر من تأثره بمتوسط الأسعار العام الذي تعتمد عليه المؤسسات الإحصائية.
وفي السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي أنه لا يمكن إنكار وجود اختلالات في بعض سلاسل التوزيع والتسويق، إذ يؤدي تعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك إلى رفع هوامش الربح في عدد من الحالات. كما تعرف بعض الأسواق ممارسات مضاربية ونقصا في الشفافية، ما يجعل الأسعار لا تتراجع بالوتيرة نفسها التي ترتفع بها خلال فترات الأزمات.
واعتبر جدري أن التحكم في التضخم يظل رهينا بالسياسة النقدية، غير أن هذه الأخيرة وحدها لا تكفي لتحقيق الأثر المنشود. فالمواطن، بحسب تعبيره، ينتظر أيضا إصلاحات تشمل تحسين قنوات التوزيع، وتعزيز المنافسة، ومحاربة المضاربة غير المشروعة، إلى جانب الرفع من إنتاجية القطاعات الفلاحية، حتى ينعكس استقرار المؤشرات الماكرو-اقتصادية بشكل ملموس على قدرته الشرائية.
وخلص محمد جدري، إلى أن بنك المغرب نجح إلى حد كبير في كبح وتيرة ارتفاع الأسعار، غير أن استعادة القدرة الشرائية للمواطنين تظل رهينة بمعالجة عوامل أخرى مرتبطة بالإنتاج والتوزيع والمنافسة داخل الأسواق.
المصدر:
العمق