كود الرباط//
دخلت المواجهة المفتوحة بين أصحاب البذلة السوداء والحكومة المغربية منعرجا حاسما، تحولت معه المعركة من ردهات المحاكم والبرلمان إلى كواليس التحالف الحكومي نفسه.
وفي خطوة تكرس التمرد المهني ضد تشريعات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، أعلنت هيئة المحامين بالرباط، وفق بلاغها الصادر اليوم الأحد عن استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية. وتأتي هذه الخطوة لتمثل موقفا راديكاليا يعاكس التوجه المهادن الذي نهجته هيئة الدار البيضاء، مما يوضح تباينا في المقاربات داخل هيئات المحامين لكن مع إجماع مبدئي على رفض مسودة الوزير المقترحة.
وخلف كواليس التصريحات الرسمية واللغوية المنمقة، تقول بعض المصادر إن ملف المحاماة تحول إلى ساحة حقيقية لتصفية الحسابات السياسية وتكسير العظام بين مكونات التحالف الحكومي، وتحديداً بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار. إذ يصر وزير العدل عبد اللطيف وهبي على تمرير مشروع القانون المنظم للمهنة، معتبراً إياه معركة شخصية لفرض هيبة الدولة وإصلاح قطاع العدالة، متشبثاً برفض تقديم أي تنازلات جوهرية للمحامين حول نقط الخلاف الحساسة، ومنها التكليف المكتوب، وتقليص صلاحيات النقباء، وتطويق استقلالية المهنة التاريخية.
وفي المقابل، يقود رئيس الحكومة عزيز أخنوش والناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس تيارا يميل إلى تهدئة الوضع وتفادي الصدام المباشر. ويتوجس قادة الأحرار من التكلفة السياسية والاجتماعية الباهظة لشلل المحاكم المستمر، ويفضلون صيغة لتقديم تنازلات مرنة عبر بوابة التعديلات البرلمانية لتفادي تأجيج الشارع والمحيط الحقوقي.
هذا التباين جعل الأزمة تتجاوز سياقها التشريعي لتصبح اختبار التماسك والانسجام بين مكونات الأغلبية؛ فإما أن ينجح وهبي في فرض مشروعه معززاً بموقع حزبه في وزارة العدل، أو تنجح رئاسة الحكومة في هندسة تراجع تكتيكي يعيد المحامين إلى المكاتب ويظهر الأحرار في ثوب منقذ السلم الاجتماعي.
ولم تكن أزمة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة وليدة اليوم، بل جاءت نتاج مسار طويل ومتشابك من الشد والجذب بين الطرفين. وقد بدأت ملامح هذا الصدام منذ أواخر عام 2024 حين خاض المحامون إضرابا شاملا شل المحاكم احتجاجاً على مشروع قانون المسطرة المدنية، وهو الإضراب الذي علق بناء على وساطات برلمانية ووعود بفتح حوار حقيقي ومأسسته.
غير أن الصدمة تجددت مطلع عام 2026 عندما فاجأ وزير العدل الجميع بعرض مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة على المجلس الحكومي والمصادقة عليه، وهو النص الذي اعتبره المحامون ضربة قاضية في صميم استقلالية المهنة ومحاولة لتحويلها إلى شبه وظيفة خاضعة للوصاية المباشرة.
وأمام هذا التطور المتسارع، ردت جمعية هيئات المحامين بالمغرب بإعلان إضراب مفتوح ووقفات وطنية حاشدة مع مقاطعة الصناديق والجلسات. ومع استمرار التصريحات النارية المتبادلة، جاء بلاغ هيئة الرباط الأخير بتوقيع النقيب عزيز رويبح ليعلن الاستمرار في التوقف عن العمل، واصفاً الخطوة بالخيار النضالي الحاسم والمستمر صوناً لوحدة الصف المهني ضد الإكراهات التشريعية الأخيرة. وأمام هذا الإصرار المهني وضغط الأحرار لفرملة الاحتقان، تتجه أزمة المحاماة نحو أفق مسدود تحولت فيه مصالح المواطنين والشركات والادارات إلى الضحية الأولى لمعركة كسر العظام السياسية والمهنية.
المصدر:
كود