آخر الأخبار

اعتراف بعطاء منسي .. المغرب يحتضن أول مؤتمر دولي للتصوف النسائي

شارك

تستقبل العاصمة الرباط أول مؤتمر دولي للتصوف بصيغة المؤنث، الذي تنظمه اليوم الأربعاء وغدا الخميس، أكاديمية المملكة المغربية بشراكة مع المنظمة الدولية غير الحكومية “وليات”، بوصفه “الاعتراف بتراث النسوة الصوفيات (…) لا يعد مجرد تصحيح تاريخي، بل ضرورة معرفية لفهم التصوف في شموله، وأبعاده المتعددة”.

مصدر الصورة

إنصاف ومعرفة

عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، قال إن “التصوف النسوي ليس موضوعا عابرا، بل فعل إنصاف بقدر ما هو فعل معرفة (…) أي إنصاف علمي يفرض علينا قراءة التراث بعين أوسع، للنظر في ما غاب في النصوص وما حضر فيها”، وتابع موضحا أن هذا الموعد يروم النهوض بمهمة “أعمق وأشرف”، هي “استكشاف تراث النساء الصوفيات في المغرب وعبر العالم، ورده إلى مكانته اللائقة في تاريخ التدين والحكمة”، لأن “الحديث عن النساء الصوفيات ليس ترفا فكريا أو استجابة لأفق عابر في البحث، بل عودة لصميم المعرفة التاريخية، فقد شاركت النساء في بناء المعنى الصوفي وصون الذكر وتلقي السلوك وتوريثه وبناء مجالس ظلت تغذي الضمائر والأدوار، وتربط الناس بمقامات التزكية والمحبة والصدق”.

ويعيد المؤتمر الدولي النظر في “أفق قائم حجبته بعض طرائق التدوين، والسرديات الثقافية العامة”، مع تنبيهه إلى أخطاء مثل “اختزال التصوف النسوي في اسم واحد مهما علا الاسم”؛ فهناك أسماء متعددة “جمعت العلم والشعر والمعرفة الصوفية”، ولم تكن المتصوفات “مجرد عابدات منعزلات بل كن حاملات معرفة، ومرشدات، وصانعات أثر روحي واجتماعي داخل الذاكرة الصوفية”.

مصدر الصورة

وبالتالي فإن هذا اللقاء “لا يكتفي برصد أسماء متناثرة، بل يعيد ترتيب السؤال كله: من يملك سلطة التجربة الروحية؟ ومن يملك سلطة تدوينها؟ وكيف تتشكل الشرعية حين تصبح المرأة صاحبة قول وتعليم وإشارة؟ وهنا يتجاوز البحث حدود الاستذكار التاريخي، ويدخل في قضايا علاقة الروحي بالاجتماعي، والمعرفة بالسلطة، والمركز بالهامش”.

وانطلاقا من “المغرب الذي راكم على امتداد القرون تراثا صوفيا زاخرا، والتصوف الإسلامي الذي تأسس على معان روحية ومعرفية كبرى، لا التفاضل الجندري، مثل المعرفة بالله والمجاهدة والصدق والتزكية”، يفتح التصوف النسائي “أفقا فكريا واسعا لإعادة قراءة العلاقة بين الروحي والاجتماعي، والسلطة المعرفية والتمثيل التاريخي”، ويوفر “مدخلا لإعادة فهم التراث الإسلامي في بيئته العميقة، وثرائه الرمزي، لتجاوز الاختزالات الجاهزة، والتحرر من القراءة الأحادية”.

مصدر الصورة

فعل محبة

كارول لطيفة أمير، الرئيسة المؤسسة للمنظمة الدولية غير الحكومية “وليات”، شكرت الملك محمدا السادس الذي يكرم التصوف بوصفه إرثا إسلاميا، لأن “التصوف قلب نابض للإسلام”، وتابعت بأن هذا المؤتمر الدولي ليس مجرد “تصحيح” تاريخ، بل هو “ضرورة لفهم التصوف في كليته”، باستحضار “البعد الحضاري للحكمة التي تعرف بها النساء الصوفيات” من أجل اليوم والغد.

وزادت لطيفة أمير أن التصوف “ليس سعيا إلى اعتراف أو سلطة” بل “استجابة لنداء داخلي”، وهو أن تَخدم لا أن تُخدَم، و”لا أن تستفيد من الطريق، بل أن تكون في خدمته”، وهو غنيّ بسبله، التي يسلكها الذكران والإناث.

وحول الانتباه إلى التصوف بصيغة المؤنث نبهت المتحدثة إلا أن “حكمة دون ذاكرة” يصعب أن تنقل، فبالتالي مسعى “ترميم الذاكرة ليس فقط إنصافا، بل هو فعل محبة تجاه العالم”؛ كيف ذلك؟ تجيب: “كلما زادت التربية الروحية وأثرها على الروح كلما زاد استقبال العالم والرحمة به (…) وإنقاذ العالم ليس جهد بطل أو بطلة فردين، بل جهد إنساني مشترك، بكل مكوناته نساء ورجالا؛ لأن الحكمة هي الثروة الحقيقية، وهي نموذج مجتمعي وبراديغم حضاري، وهذا ما نسيناه في السعي المادي العالمي”.

مصدر الصورة

القرآن والإنسان

أسماء المرابط، عضو أكاديمية المملكة المغربية، ذكرت أن “هذا الموعد الأول من نوعه نقطة انطلاق مشروع يسهم في إشعاع التراث الصوفي النسائي في المغرب والعالم”، مضيفة أنه “ليس من الغريب عقد أول مؤتمر للتصوف النسائي في المغرب، موطن الأولياء والوليات (…) وليس من الغريب قول إن القرآن منشأ الروحية جوهر الدين القيم، وفطرة الله التي فطر الناس عليها، وجهة الحنفية السمحاء”.

وواصلت المرابط: “التصوف هو الطريق والمنهج الروحي للمنبع الكوني، والتصوف هو قلب الإسلام ومنبعه القرآن والسنة النبوية (…) وإن الانتماء إلى هذا السبيل هو عودة للبصمة الأبدية الأصلية المنحوتة في أم الكتاب (…) والقرآن متجذر في المساواة الوجودية بين الرجل والمرأة، وهي مساواة متأصلة في النص القرآني (…) الذي يخاطب الإنسان قبل كل شيء، فلا تفاوت في الإنسانية، بل التفاوت في العمل الصالح، والتقوى، والأخلاق”.

وسطرت المتحدثة على أن أفعال التزكية والعمل الصالح لا تتحقق “بالتعارض، أو على حساب الآخر، رجلا أو امرأة”، بل يبين القرآن أن “المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض”، والولاية “ائتلاف، وانسجام روحي، وتضامن اجتماعي”.

مصدر الصورة

واستحضرت عضو أكاديمية المملكة المغربية نماذج نسائية ذكرها القرآن، مثل “السيدة مريم المحطمة للسلطة الذكورية الدينية لعصرها”، “وبلقيس التي مدح الله حكمها العادل رغم كونها من قوم مشركين”، و”آسية امرأة فرعون” التي تشبثت بإيمانها رغم ظلم زوجها، كما ذكرت “قصة زليخة التي هي امرأة شغفها حب النبي يوسف (…) وتابت بعد ذلك لظلال الرحمة الإلهية”.

ومن بين قصص النساء اللاتي يستحضر أثرهن دون استحضار اسمهن ولا الإشارة إليه سعي هاجر بين الصفا والمروة، الذي لا إشارة إليه في مكان السعي.

وتنتقد أسماء المرابط “تصورات سلطوية بشرية تتناقض والنموذج الإلهي (…) القرآني”، مع استحضارها نموذج قراءات حول نبوة حواء، ومريم، وهاجر، عند الطاهر ابن عاشور، وابن حزم، وغيرهما، لكنهم الأقلية، فيما يسير الجمهور في طريق آخر رفضا لنبوة المرأة.

ونادت المرابط بـ”إحياء الإرث النسائي المدفون تحت قرون من التأويل التمييزي”، مستحضرة أمثلة قرآنية تبين أن المرأة “ليست فتنة ولا عورة ولا مصدرا للكيد ولا أقل عقلانية ولا جسدا يلام ويدان ويهمش، كما نرى في خطابات دينية للأسف”، وواصلت: “الأنوثة والذكورة ليسا مقام امتيازات إلهية، بل استعداد إنساني للرحمة والخير للإنسان (…) ومن النساء مثل رابعة العدوية كثيرات ولم يدون التاريخ ولم يحتفظ إلا بمسارات قليلة منهن”، مع تسجيلها أن “اتسام التاريخ بنظرة دونية للمرأة كاد يقصيها من التاريخ وكأنه قدر أزلي”، علما أن هذا “الإغفال أو التناسي التاريخي للنساء ربما ساهمن فيه أنفسهن بنكران الذات، والزهد، وروح التضحية”.

ومن بين المتصوفات في التاريخ المغربية منية بنت ميمون الدكالي، التي استحضرت المرابط حديثها عن “مجالس ذكر حضرتها لألف امرأة معترف بهن كوليات”، وقدمت هذا مثالا من بين أمثلة على غياب أي سير لهن، أو توثيق لحياتهن ورؤاهن، ما أسهم في “خرافة نساء متفرجات على عالم يحكمه الرجال”.

وتشدد المتحدثة على أن “مسؤوليتنا إعادة اكتشاف التاريخ الماضي والحاضر المهمش، والنساء وعطاؤهن في التصوف جزء من تاريخ إنساني منسي (…) من أجل عدالة تاريخية حقيقية؛ لنبني عادلا برجاله ونسائه”.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا