تتسارع الخطى التشريعية والقضائية بالمملكة المغربية لتأمين بيئة انتخابية مطبوعة بالشفافية والنزاهة قبل استحقاقات شتنبر المقبل، وهو ما تجسد بشكل ملموس في الدورية الأخيرة الصادرة عن رئيس النيابة العامة، والتي وجه من خلالها تعليمات صارمة ومباشرة إلى الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك بمختلف المحاكم، للحث على التصدي الحازم والردع القانوني لكل المخالفات المرتبطة بعملية القيد في اللوائح الانتخابية العامة، باعتبارها المدخل الأساسي لضمان سلامة الاستحقاقات المقبلة.
ودعا رئيس النيابة العامة المسؤولين القضائيين إلى الحرص على تأمين سلامة عمليات القيد في اللوائح الانتخابية العامة من مختلف الخروقات التي قد تمس بمصداقيتها أو تؤثر على نزاهة باقي العمليات الانتخابية اللاحقة، مشددا على ضرورة التصدي “بالحزم والصرامة اللازمين” لكل الأفعال والممارسات التي تستهدف المس بنزاهة وشفافية هذه العملية.
وتأتي هذه التحركات المكثفة في وقت يواجه فيه المغرب رهانات استراتيجية غير مسبوقة، تتجاوز مجرد التنافس الحزبي التقليدي؛ إذ ترتبط الانتخابات القادمة بملفات مصيرية كبرى، على رأسها بلورة وتنزيل مقترح الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية في ظل دينامية دولية متسارعة، فضلاً عن التحدي التنظيمي والاقتصادي الضخم المتمثل في التحضير لاستضافة مونديال 2030 وما يرافقه من أوراش وبنى تحتية عملاقة، وهو ما يضع البلاد أمام ضرورة حتمية لإفراز نخب سياسية جديدة وحكومة كفاءات تتمتع بأعلى درجات المصداقية والقبول.
تشبيب النخب وتنحية الوجوه المشبوهة: إرادة سياسية عليا
وفي قراءة لأبعاد هذه الدورية وخلفياتها، يرى المحلل السياسي محمد شقير أن هذه الخطوة تعكس رغبة وإرادة حازمة لدى السلطات العليا وصناع القرار في البلاد لضمان كل مظاهر الشفافية والنزاهة في المحطة الانتخابية المقبلة، مبرزا أن هذه الاستحقاقات لا تهدف فقط إلى تشكيل حكومة جديدة، بل تُهيئ لبروز نخب شابة قادرة على التلاؤم مع متطلبات العهد الجديد وتحدياته المتسارعة.
وأضاف المحلل السياسي محمد شقير، في حديث لجريدة “العمق المغربي”، أن هذا الحرص الكبير يفسر التوجه نحو بلورة إجراءات صارمة تهدف إلى إبعاد وتنحية العديد من الوجوه الذين تحوم حولهم شبهات أو المتابعين في قضايا قضائية، وبالمقابل، تفعيل آليات قانونية تدعم تمويل جزء من الحملات الانتخابية لفائدة الشباب، مشيراً إلى أن دورية رئيس النيابة العامة تأتي لتنفيذ هذه المقتضيات الزجرية والمصادق عليها في مدونة الانتخابات.
وقال إن ما يمكن تسجيله بخصوص الدورية الأخيرة لرئيس النيابة العامة هو وجود رغبة لدى السلطات العليا في البلاد لضمان مختلف مظاهر الشفافية خلال الاستحقاقات التشريعية المقبلة، مشيرا إلى أن انتخابات 2026 لا تكتسي أهمية مرتبطة فقط بإفراز الحكومة المقبلة، وإنما تتجاوز ذلك إلى المساهمة في بروز نخب سياسية جديدة قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها البلاد خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن هذه الانتخابات تأتي في سياق إعداد جيل جديد من الفاعلين السياسيين القادرين على التفاعل مع المتغيرات المستقبلية، مشيرا إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب نخبا سياسية تتلاءم مع التطورات المنتظرة على مختلف المستويات.
وأشار المتحدث إلى أن هذا المعطى يفسر الحرص الكبير لدى صناع القرار على أن تحظى الانتخابات المقبلة بأكبر قدر من النزاهة، من خلال العمل على إبعاد بعض الوجوه التي تحوم حولها الشبهات، واعتماد إجراءات قانونية وتنظيمية جديدة، من بينها تلك المرتبطة بتمويل جزء من الحملات الانتخابية الموجهة للشباب، معتبرا أن هذه التدابير تندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تحسين شروط التنافس الانتخابي.
وأكد شقير أن الدورية الصادرة عن النيابة العامة تدخل بدورها في إطار تنزيل المقتضيات التي تمت المصادقة عليها ضمن مدونة الانتخابات، وتعكس حجم التحدي المطروح والحرص القائم على تأمين العملية الانتخابية وضمان مصداقيتها. غير أنه شدد في المقابل على أن السؤال الأساسي يظل مرتبطا بمدى كفاية هذه الإجراءات لتحقيق الشفافية المطلوبة، معتبرا أن مجريات الانتخابات نفسها والظروف التي ستواكب تنظيمها هي التي ستكشف مدى نجاح هذه التدابير في تحقيق أهدافها.
نزاهة حكومة المونديال وتنزيل الحكم الذاتي
وارتباطاً بالسياق الدولي والوطني، أكد شقير أن هناك معطيات أساسية تفرض إفراز حكومة ذات مصداقية عالية، أولها ملف الصحراء المغربية وتنزيل مقترح الحكم الذاتي، لاسيما مع وجود رغبة لدى الإدارة الأمريكية لإنهاء هذا النزاع المفتعل، أما المعطى الثاني، فيتمثل في استعداد المغرب لاحتضان أكبر تظاهرة كروية عالمية (المونديال)، وما يستتبعه ذلك من أوراش هيكلية كبرى تشمل توسيع شبكات السكك الحديدية والموانئ والمطارات؛ وهي مشاريع ضخمة تنتظر التنفيذ وتتطلب كفاءة تدبيرية استثنائية، مما يجعل من نزاهة الانتخابات جسراً ضرورياً لإفراز فريق حكومي بمستوى هذه التحديات.
واعتبر شقير أن الرهانات الوطنية الكبرى المطروحة خلال المرحلة المقبلة تجعل من مسألة النزاهة الانتخابية عاملا أساسيا في تشكيل الحكومة المقبلة، مشيرا على وجه الخصوص إلى ورش تنزيل مقترح الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية.
وأوضح أن مختلف الأطراف الدولية المعنية بالملف، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق والحالي مجددا دونالد ترامب، تبدي رغبة في الدفع نحو إنهاء هذا النزاع، الأمر الذي يجعل من الضروري إفراز حكومة تتمتع بالمصداقية والشفافية والقدرة على تدبير هذا الورش الاستراتيجي.
وأضاف أن التحضير لاستضافة أكبر تظاهرة كروية في تاريخ المملكة، والمتمثلة في كأس العالم 2030، يفرض بدوره الحاجة إلى حكومة قادرة على مواكبة الأوراش الكبرى المرتبطة بهذا الحدث، ليس فقط على المستوى الرياضي، وإنما أيضا على مستوى المشاريع الهيكلية والبنيات التحتية.
وأشار إلى أن المغرب مقبل على تنفيذ واستكمال مجموعة من المشاريع الكبرى، من بينها مشاريع الموانئ وشبكات السكك الحديدية وغيرها من الأوراش التنموية الضخمة، وهو ما يفسر، بحسبه، وجود رغبة في أن تتوفر الحكومة المقبلة على الكفاءة والمصداقية والشفافية الضرورية لتدبير هذه المرحلة الحساسة وإنجاز مختلف المهام المنتظرة منها.
قطع الطريق أمام “الخطاب المزدوج” للأحزاب
وفي تعليقه على جدلية التشكيك التي تلاحق المحطات الانتخابية، ومنها انتخابات 2021، أشار شقير إلى أن مواضيع غياب الشفافية صاحبت تقريباً جل المحطات السابقة، وهي التي أثرت سلباً على سلوك الناخب المغربي وجعلته ينظر بريبة إلى صناديق الاقتراع.
وانتقد المحلل السياسي ما وصفه بـ”الخطاب المزدوج” لدى بعض الأحزاب التي تقبل بقواعد اللعبة ونتائجها عندما تفوز كما حدث في محطتي 2012 و2016، لكنها تسارع للطعن والتشكيك في النزاهة عندما لا تحقق النتائج المرجوة، كما يحدث مع حزب العدالة والتنمية، على حد تعبيره، معتبرا أن مدونة الانتخابات الجديدة جاءت لتقطع مع هذه الازدواجية؛ حيث باتت تركز في بعض إجراءاتها على ملاحقة ومتابعة كل من يعمل على التشكيك في العمليات الانتخابية دون أدلة، بهدف إلزام الفاعلين الحزبيين بقواعد اللعبة السياسية وضمان انخراطهم المسؤول في المسار الديمقراطي للمملكة.
وفي هذا الصدد، وفي معرض رده على سؤال حول ما إذا كانت الإجراءات الحالية تمثل اعترافا غير مباشر بوجود اختلالات شابت انتخابات 2021، أكد شقير أن الحديث عن غياب الشفافية والنزاهة ليس مرتبطا باستحقاق انتخابي بعينه، بل يمثل موضوعا رافق عددا من الانتخابات السابقة.
وأوضح أن هذا الأمر ساهم في التأثير على سلوك الناخبين وجعلهم ينظرون إلى العملية الانتخابية بعين الشك، غير أنه اعتبر في الوقت نفسه أن بعض الأحزاب السياسية تتحمل جزءا من المسؤولية في تكريس هذا الانطباع، من خلال الطعن في نتائج الانتخابات عندما لا تحقق النتائج التي كانت تطمح إليها.
وأضاف أن من غير المنطقي، حسب تعبيره، أن تدخل الأحزاب الانتخابات وهي تقبل قواعد اللعبة الديمقراطية، ثم تعود إلى التشكيك في النتائج فقط لأنها لم تحصل على النتائج المرجوة، معتبرا أن هذا السلوك يندرج ضمن ما وصفه بالخطاب المزدوج، حيث تقبل بعض الأحزاب بنتائج استحقاقات معينة وترفض نتائج استحقاقات أخرى.
وأشار شقير إلى أن هذا السلوك سبق أن تعرض لانتقادات من قبل وزارة الداخلية، كما أن مدونة الانتخابات الجديدة تتضمن مقتضيات تركز على متابعة وملاحقة كل من يعمل على التشكيك في الانتخابات خارج الأطر القانونية والمؤسساتية المعتمدة.
وختم المحلل السياسي تصريحه بالتأكيد على أن أحد الأهداف الأساسية للاستحقاقات المقبلة يتمثل في التزام مختلف الفاعلين السياسيين والحزبيين بقواعد اللعبة الديمقراطية واحترام نتائجها، والابتعاد عن الخطاب الذي يجمع بين المشاركة في الانتخابات والتشكيك في نتائجها في الوقت نفسه، معتبرا أن ترسيخ هذا الالتزام يعد شرطا أساسيا لتعزيز الثقة في المسار الانتخابي وفي المؤسسات المنبثقة عنه.
المصدر:
العمق