أكد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، أن تعديل المادة 193 من مدونة الشغل يأتي لمعالجة وضعية عشرات الآلاف من حراس الأمن الخاص العاملين عبر شركات المناولة، سواء في القطاع العام أو الخاص، مبرزاً أن هذه الفئة تمثل كتلة بشرية كبيرة تتوزع بين نحو 120 ألف عامل في القطاع العام، خصوصاً على مستوى مداخل الإدارات العمومية والمستشفيات والمؤسسات التعليمية، إضافة إلى مئات الآلاف في القطاع الخاص، حيث تتراوح التقديرات ما بين 400 و500 ألف عامل في القطاع المهيكل، وقد تصل إلى مليون عامل عند احتساب القطاع غير المهيكل، وفق تعبيره.
وأوضح الوزير، خلال الندوة الصحفية الأسبوعية التي تعقب المجلس الحكومي، أن الإشكال يرتبط أساساً بطريقة تنظيم وقت العمل، حيث كانت مدونة الشغل لسنة 2004 تحدد مدة العمل في ثماني ساعات يومياً مع إمكانية اللجوء إلى ساعات إضافية في حدود سقف معين، حفاظاً على التوازن الاجتماعي والإنساني للأجراء، غير أنها استثنت بعض الفئات التي تشتغل بنظام “العمل المتقطع”، ما سمح بتمديد مدة العمل إلى 12 ساعة يومياً، وهو ما تم تطبيقه على حراس الأمن بمختلف أصنافهم.
وتداول مجلس الحكومة وصادق على مشروع القانون رقم 32.26 بتغيير القانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، قدمه وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، الذي أكد أن هذا الإجراء سيرغ الحيف عن حوالي نصف مليون حارس أمن في القطاع الخاص و120 ألف في القطاع العام وما يناهز مليون حارس أمن خاص بالقطاع غير المهيكل، ما سيرفع، وفق تعبيره، من الميزانيات القطاعية إلى حوالي 50 في المائة.
ويأتي مشروع هذا القانون من أجل إنصاف فئة الحراس الذين تربطهم عقود شغل مع المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة طبقا للتشريع الجاري به العمل، كما يندرج في إطار استكمال تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق الاجتماعي المبرم بتاريخ 29 أبريل 2024، لاسيما تلك المتعلقة بالمراجعة التدريجية لبعض مقتضيات مدونة الشغل وتنزيل لمخرجات الحوار الاجتماعي المركزي لدورة أبريل 2026.”
ويهدف مشروع هذا القانون بالأساس إلى تتميم المادة 193 من القانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، من أجل استثناء فئة الحراس الذين تربطهم عقود شغل بالمقاولات التي تمارس أعمال الحراسة طبقاً للتشريع الجاري به العمل من فئة الحراس المنصوص عليها في هذه المادة والتي تعتبر أشغالهم ذات طبيعة متقطعة، وتشتغل بالتالي 12 ساعة في اليوم مقابل الأجر المؤدى عن مدة 8 ساعات العادية، مما سيترتب عنه استفادة فئة الحراس المستثناة من مدة الشغل العادية المقررة لسائر الأجراء في المادة 184 من مدونة الشغل، كما سيساهم هذا الإجراء في إحداث مناصب شغل إضافية وتشغيل عدد أكبر من الأجراء في احترام تام لأحكام القانون”.
وأوضح الوزير السكوري أن هذا الوضع تغير بعد صدور قانون تنظيم مهنة الأمن الخاص سنة 2007، الذي منحها طابعاً احترافياً وأخضعها لضوابط قانونية دقيقة، غير أن الإشكال استمر على مستوى التطبيق، حيث ظل عدد من الحراس يشتغلون 12 ساعة مقابل أجر يحتسب على أساس 8 ساعات، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً منذ بداية الولاية الحكومية الحالية في إطار الحوار الاجتماعي.
وأشار السكوري إلى أن إدراج هذا التعديل في المادة 193 تم بشكل استثنائي نظراً لأولوية الملف، رغم أن العرف كان يقضي بعدم فتح مدونة الشغل لتعديل جزئي، مبرزاً أن الحكومة أخذت بعين الاعتبار وجود عقود سارية المفعول مع شركات المناولة، وهو ما فرض اعتماد مرحلة انتقالية لتفادي الارتباك على مستوى التنفيذ.
وشدد الوزير على أن الكلفة المالية المرتبطة بتطبيق هذا التعديل تُعد مرتفعة، موضحاً أن نظام العمل الحالي القائم على فترتين (12 ساعة لكل حارس) سيتحول إلى ثلاث فترات من 8 ساعات، ما يعني الرفع من عدد الحراس المطلوبين لتأمين نفس الخدمات، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على ميزانيات المؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص، حيث تفيد التقديرات الأولية بأن الزيادة لن تقتصر على الثلث كما قد يبدو نظرياً، بل ستتراوح ما بين 40 و50 في المائة من الكلفة الإجمالية في قطاعات حيوية مثل الصحة وغيرها.
وأكد أن الحكومة منحت مهلة انتقالية تصل إلى 12 شهراً كحد أقصى لتسوية وضعية العقود المبرمة قبل دخول القانون حيز التنفيذ، في حين ستخضع جميع العقود الجديدة الموقعة بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية للتطبيق الفوري لمقتضياته، بما يفرض احترام مدة العمل القانونية المحددة في 8 ساعات.
وفي هذا السياق، أبرز السكوري أن القرار المتخذ لا يقتصر على تعديل تقني في نص قانوني، بل يحمل أبعاداً سياسية واجتماعية ومالية مهمة، مشيراً إلى أنه جاء بتوافق داخل مكونات الأغلبية الحكومية وبتوجيه من رئيس الحكومة في إطار الإشراف على الحوار الاجتماعي، مع انخراط وزارة الاقتصاد والمالية والوزارة المكلفة بالميزانية لضمان تنزيله الفعلي دون تأجيل.
كما نوه بالدور الذي اضطلع به الأمانة العامة للحكومة في صياغة مقتضيات المادة بشكل دقيق يمنع أي تأويل أو التفاف محتمل على القانون، مؤكداً أن التنفيذ سيكون محور المرحلة المقبلة، سواء من خلال المصادقة البرلمانية أو عبر تعبئة جهاز تفتيش الشغل الذي سيجعل من مراقبة احترام مدة العمل أحد محاوره الأساسية ضمن البرنامج الوطني للتفتيش.
وأضاف أن الحكومة ستواكب هذا الورش بإجراءات تحسيسية وتنظيمية، تشمل عقد لقاءات مع شركات الأمن الخاص والإدارات العمومية التي تبرم صفقات الحراسة، من أجل إدماج المقتضيات الجديدة في دفاتر التحملات وتسريع وتيرة الامتثال قبل انتهاء المهلة الانتقالية.
وخلص الوزير إلى أن هذا القرار يندرج ضمن التوجه العام الرامي إلى إنصاف فئة من الأجراء ظلت تعاني من اختلالات في شروط العمل، مؤكداً أن الحكومة عازمة على ضمان تنزيله الفعلي على أرض الواقع، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق العمال والحفاظ على استمرارية المرافق والخدمات، رغم الكلفة المالية المرتفعة التي يفرضها هذا التحول.
المصدر:
العمق