دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى مراجعة عميقة لنظام شهادة اللفيف في مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول، مع إدخال تعديلات جوهرية تهم تحديث آليات الإثبات وتعزيز الضمانات القانونية المرتبطة به، مؤكدا ضرورة فتح المجال أمام قبول شهادة المرأة ضمن هذا النظام بشكل صريح، بما يكرّس مبدأ المساواة الدستورية ويضع حداً لأي تباينات في الممارسة، إلى جانب تقوية آليات التحقق والحماية القانونية لضمان موثوقية الشهادة وصون حقوق الأطراف المتعاقدة.
ورسم المجلس، في رأي له حول مشروع القانون، معالم رؤية إصلاحية متكاملة تروم الارتقاء بمنظومة التوثيق العدلي، من خلال تعزيز استقلالية المهنة وترسيخ المسؤولية المهنية الفردية للعدل، بما يكرس الثقة في المحررات العدلية ويرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنات والمواطنين.
وأكد المجلس أن هذا المسار يمر أساساً عبر الاستثمار في التكوين، خاصة التكوين المستمر، باعتباره رافعة مركزية لتأهيل الكفاءات ومواكبة التحولات القانونية والاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب التوظيف الواسع للرقمنة بما يضمن الفعالية والشفافية والنجاعة في الأداء.
وفي هذا السياق، سجل المجلس أن المغرب يتميز بوجود منظومتين متكاملتين للتوثيق، معتبراً أن هذه الازدواجية لا تشكل عائقاً في حد ذاتها، ما دامت تحافظ لكل منظومة على مجالات اختصاص حصرية إلى جانب الاختصاصات المشتركة، وتسعى إلى ضمان خدمة موثوقة وذات جودة لفائدة المرتفقين سواء لجؤوا إلى الموثق أو إلى العدل.
وشدد مجلس أعمارة على ضرورة أن تحرص المنظومة التشريعية والتنظيمية على توفير شروط ممارسة مهنية لائقة، وصون الوضع الاعتباري لكل مهنة، وضمان قواعد المنافسة الشريفة والتكافؤ بين الفاعلين، دون استبعاد إمكانية العمل مستقبلاً على التقائية مهن التوثيق في أفق إصلاح هيكلي أشمل.
تعديل شهادة اللفيف وفسح المجال أمام شهادة المرأة
وفي ما يخص تحديث آليات التوثيق، دعا المجلس إلى مراجعة كيفيات أداء شهادة اللفيف بما يراعي التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي شهدها المغرب، مع اعتماد آليات حديثة لتلقي الشهادة، بما في ذلك التلقي عن بعد عبر وسائل رقمية موثوقة ومؤمنة، مع ضمان التحقق من هوية الشهود وسلامة إرادتهم وحماية معطياتهم الشخصية.
كما أوصى بالتنصيص الصريح على قبول شهادة المرأة ضمن اللفيف، تكريساً لمبدأ المساواة وتفادياً لأي تأويلات أو ممارسات متباينة في التطبيق.
وفي السياق ذاته، شدد المجلس على ضرورة إقرار آلية قانونية واضحة تمكن العدل من الطعن أو استئناف قرار الامتناع عن الخطاب من قبل قاضي التوثيق، داخل آجال معقولة وبمسطرة مبسطة، بما يعزز ضمانات الممارسة المهنية.
وختم المجلس توصياته بالدعوة إلى تمكين العدل من آلية مؤطرة وموثوقة لتلقي وتدبير الودائع، تضمن حقوق والتزامات المتعاقدين، وتقوم على بساطة المساطر ووضوحها، مع توفير أعلى معايير الشفافية والأمن، بما يكفل حماية أموال الأطراف ويعزز الثقة في العمل التوثيقي.
تعزيز الأثر التشريعي والتعجيل بإصدار النصوص التطبيقية
في هذا الإطار، دعا المجلس إلى تفعيل المقتضيات القانونية الجاري بها العمل المتعلقة بإرفاق التشريعات الجديدة، وخاصة المراجعات القانونية الهيكلية، بدراسات للأثر، كما هو الشأن بالنسبة لمشروع القانون رقم 16.22، سواء عند إعداد المشروع أو بعد ذلك، بهدف بلورة تشخيص شامل لواقع التوثيق العدلي يستند إلى معطيات رقمية ومؤشرات دقيقة.
كما شدد على ضرورة تقييم الانعكاسات المتوقعة لهذه التشريعات على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والمالية، مع اعتماد التشاور الممنهج والموسع مع مختلف الأطراف المعنية، وقياس أثر التشريع الجديد على جودة الخدمات التوثيقية والأمن القانوني وحقوق المرتفقين.
كما أوصى المجلس بالتعجيل، في ضوء نتائج دراسة واقع التوثيق العدلي، بإصدار النصوص التنظيمية المحال عليها في مشروع القانون داخل آجال معقولة ومحددة، لا سيما تلك المرتبطة بالرقمنة، والتكوين الأساسي والمستمر للعدول، والتأمين عن المسؤولية المدنية، بما يضمن التنزيل الفعلي للمقتضيات الجديدة وتحقيق الأهداف المتوخاة منها.
تحسين الإطار التنظيمي وتأهيل الموارد البشرية
وفي ما يتعلق بالإطار التنظيمي، دعا المجلس إلى تعزيز استقلالية العدول بشكل تدريجي ومدروس، بما يفضي إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وذلك في أفق مراجعة آلية خطاب القاضي وتكريس مبدأ الممارسة الفردية للمهنة. ويرى المجلس أن هذا التوجه من شأنه تعزيز المسؤولية المهنية للعدول والرفع من نجاعة التوثيق العدلي، بما يحقق الانسجام مع التوجهات الدولية الحديثة في تنظيم مهن التوثيق.
كما أكد على ضرورة تعزيز تمثيلية النساء العدول داخل الأجهزة التنفيذية للهيئة الوطنية والمجالس الجهوية، من خلال اعتماد تدابير تشريعية وتنظيمية تضمن حضوراً متوازناً لهن، في أفق تحقيق مبدأ المناصفة المنصوص عليه دستورياً، بما يسهم في ترسيخ المساواة وتثمين كفاءات النساء العدلات في تدبير شؤون المهنة وتطويرها.
وفي السياق ذاته، أوصى المجلس بمراجعة شروط الولوج إلى مهنة العدول، عبر حصرها في الحاصلين على شهادات عليا لا تقل عن مستوى الماستر في تخصصات تضمن تكويناً معمقاً في القانون أو الشريعة، بهدف الرفع من مستوى التأهيل العلمي والمهني ومواكبة التطور المتسارع للمعاملات المدنية، خاصة في المجال الاقتصادي.
كما شدد على أهمية اعتماد استراتيجية متكاملة للتكوين المستمر، تستند إلى نتائج الدراسة الشاملة لواقع التوثيق العدلي، وتروم تعزيز التأهيل المهني والرفع من كفاءة العدول الممارسين، إلى جانب إعداد تصور متكامل لمحتوى التكوين الأساسي للعدول الجدد يستجيب للمعايير المهنية والممارسات الحديثة للعمل التوثيقي.
تسريع التحول الرقمي لمهنة العدول
وفي محور التحول الرقمي، دعا المجلس إلى تطوير منظومة رقمية متكاملة لدعم المراقبة المهنية للعمل التوثيقي، عبر اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل المعطيات ورصد الاختلالات المحتملة وتعزيز تتبع جودة الأداء، في إطار مقاربة وقائية تقوم على تحسين النجاعة والشفافية، مع التقيد الصارم بمقتضيات أمن الأنظمة المعلوماتية وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وفق المعايير القانونية الجاري بها العمل.
كما أوصى بإدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة لممارسة مهنة العدول، بما يتيح تدقيق الصياغة القانونية للعقود وتيسير الولوج إلى النصوص القانونية والاجتهادات القضائية المحينة، ويساهم في تحسين جودة الخدمات وتقليص آجال معالجة الملفات، مع الحفاظ على الدور المحوري للعدل ومسؤوليته المهنية.
ودعا المجلس كذلك إلى الإسراع بإحداث المنصة الرقمية المنصوص عليها في مشروع القانون، باعتماد تقنيات التوقيع الإلكتروني المؤمن وسلاسل الكتل (Blockchain)، بما يضمن سلامة الوثائق وعدم قابليتها للتلاعب، مع توحيد المعايير الوطنية والانفتاح على الممارسات الدولية، وإحداث تخزين سيادي للمعطيات داخل البنية التحتية السحابية الوطنية، بما يعزز الأمن التعاقدي ويحمي حقوق المواطنين والمقاولات.
كما شدد على ضرورة اعتماد رقمنة شاملة لإجراء خطاب القاضي وتدبير العلاقة بين قاضي التوثيق والعدول عبر هذه المنصة الرقمية، بما يمكن من إيداع المحررات وتتبع مآلها داخل آجال محددة، ويعزز الشفافية وسرعة المعالجة وتوحيد مسارات الإيداع والتأشير.
المصدر:
العمق