أكد مسؤولون وخبراء دوليون وممثلو مؤسسات دستورية وبحثية، خلال ندوة علمية حول “تحول واستدامة النظم الغذائية بالمغرب”، أن استدامة النظم الغذائية الزراعية في المغرب لم تعد ترفا أكاديميا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية ملحة تفرضها الأزمات العالمية المتلاحقة والاختلالات المناخية العنيف.
وأجمع المتدخلون في الندوة المنظمة على هامش الدورة 18 من المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، اليوم السبت، على أن الانتقال من التركيز الحصري على “تنمية العرض” إلى مقاربة شمولية تدمج “تدبير الطلب” وتقليص الهدر الغذائي، هو السبيل الوحيد لضمان السيادة الغذائية وتحقيق أهداف “الجيل الأخضر 2020-2030”.
في هذا السياق، قدم عبد السلام زياد، مدير الاستراتيجية والإحصائيات بوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، قراءة تحليلية لمسار تطور النظام الغذائي العالمي، موضحا أنه انتقل من مرحلة الإنتاج المحلي لتأمين الحاجيات الأساسية، إلى مرحلة التكثيف الفلاحي لمواكبة الطلب المتزايد، ثم إلى العولمة التجارية، قبل أن يدخل منذ مطلع الألفية مرحلة التنمية المستدامة.
غير أن هذا المسار، حسب المتحدث، عرف انعطافة حادة منذ سنة 2019-2020، مع توالي الأزمات، من جائحة كوفيد-19 إلى التغير المناخي والحرب في أوكرانيا، ما جعل العالم ينتقل من منطق “التنمية” إلى منطق “الصمود”.
وسجل أن المغرب، رغم تأثره المباشر بهذه الصدمات، يتوفر على مؤهلات مهمة للتخفيف من آثارها، بل وتحويلها إلى فرص، غير أن التحدي الأكبر يكمن في تقلب الإنتاج الفلاحي وضعف استقراره، حيث يمكن أن يؤدي الجفاف إلى خسائر تصل إلى 40% من الإنتاج.
وأشار إلى أن 6 سنوات من أصل 8 سنوات الأخيرة كانت سنوات جفاف، وهو ما يعكس هشاشة الموارد المائية، مبرزا أن ارتفاع درجات الحرارة بدرجتين فقط قد يؤدي إلى تراجع المردودية الفلاحية بنحو 25% وفق تقديرات علمية دولية.
كما توقف عند تداعيات الأزمة الأوكرانية، التي تسببت في اضطراب سلاسل التوريد العالمية للحبوب وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، مؤكداً أن استخدام القمح والطاقة كسلاح اقتصادي كشف هشاشة النظام الغذائي العالمي.
المقاربة التقليدية لم تعد كافية
وفي سياق التحليل نفسه، شدد زياد على أن المقاربة التقليدية التي كانت تركز فقط على رفع الإنتاج لم تعد كافية، داعيا إلى اعتماد رؤية مزدوجة تشمل أيضاً تدبير الطلب وتقليص الهدر الغذائي، باعتبار أن جزءاً مهماً من الغذاء يُفقد أو يُهدر في مختلف مراحل السلسلة.
كما دعا إلى تعزيز ما أسماه بـ”المرونة النظامية”، عبر تحسين الحكامة، وتطوير المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مصادر التزويد، معتبراً أن فكرة تحقيق السيادة الغذائية الكاملة عبر الإنتاج المحلي فقط أصبحت غير واقعية في عالم مترابط.
وفي ما يتعلق بالبعد الاجتماعي، أبرز أن القطاع الفلاحي يعيش تحولاً ديموغرافياً مقلقاً، يتمثل في تقدم سن الفلاحين وضعف إقبال الشباب على القطاع، مما يستدعي، حسب قوله، الاستثمار في التكوين وتحفيز روح المقاولة الفلاحية، في إطار برامج مثل “الجيل الأخضر”.
دعم دولي وتأكيد على تقدم المغرب
من جهته، قدم ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بالمغرب، ألكسندر هيونه، رؤية دولية لتطور النظم الغذائية، مؤكدا أن المغرب يعد من بين الدول التي أحرزت تقدما ملحوظا في هذا المجال.
وأوضح أن المغرب يعتمد مقاربة استراتيجية متقدمة في مجال التحول الفلاحي، مدعومة بشراكات دولية، من بينها البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، ما يجعل تجربته محط اهتمام عدد من الدول الساعية إلى إصلاح أنظمتها الغذائية.
غير أن المتحدث شدد على أن التحديات العالمية، وعلى رأسها تغير المناخ والنمو الديمغرافي المتوقع أن يبلغ نحو 10 مليارات نسمة بحلول 2050، تفرض إعادة التفكير في مفهوم المرونة، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل على مستوى النظام الغذائي ككل، بما يشمل سلاسل القيمة والفاعلين والمؤسسات.
واعتبر أن نجاح التحول يتطلب تنسيقا محكما بين مختلف الفاعلين، في إطار رؤية مشتركة، مشبهاً ذلك بفريق كرة قدم يحتاج إلى الانسجام لتحقيق أفضل أداء.
الهدر الغذائي.. نزيف اقتصادي وبيئي
قدم الكاتب العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يونس بنعكي، تشخيصا دقيقا لظاهرة هدر الغذاء، معتبرا أنها تمثل أحد أكبر التحديات غير المرئية التي تواجه الأنظمة الغذائية الحديثة.
وكشف أن حوالي 13.2% من الغذاء يفقد عالميا قبل وصوله إلى المستهلك، فيما يتم هدر 19% إضافية على مستوى الاستهلاك، مشيرا إلى أن الأسر المغربية وحدها ترمي أكثر من 4.2 ملايين طن من الغذاء سنويا.
وأضاف أن هذه الظاهرة لا تمثل فقط خسارة اقتصادية، بل تشكل ضغطاً كبيراً على الموارد الطبيعية، حيث يتم إهدار أكثر من 1.6 مليار متر مكعب من المياه لإنتاج غذاء لا يُستهلك.
ودعا إلى اعتماد قانون خاص بمحاربة الهدر الغذائي، وإحداث مرصد وطني لتتبع هذه الظاهرة، إضافة إلى تعزيز حكامة مندمجة تجمع مختلف الفاعلين، مع تشجيع إعادة توزيع المواد الغذائية غير المباعة.
الصحة والتغذية.. مفارقة مغربية
من جانبها، قدمت حسناء گامح، المسؤولة عن البرنامج الوطني للتغذية بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، معطيات مقلقة حول الوضع الغذائي بالمغرب، رغم الأداء الفلاحي الإيجابي، مبرزة أن 15% من الأطفال يعانون من التقزم، فيما يعاني أكثر من 10% من السمنة، إلى جانب انتشار فقر الدم لدى النساء الحوامل بنسبة تصل إلى 37%.
وسجلت وجود فجوة مجالية واضحة بين المدن والقرى، حيث تتضاعف نسب سوء التغذية في العالم القروي، خصوصا في جهات ذات طابع فلاحي، داعية إلى تبني مقاربة متعددة القطاعات تربط بين الفلاحة والصحة والتعليم، مع التركيز على تنويع الأنماط الغذائية وتحسين الوعي الاستهلاكي.
البحث العلمي في قلب التحول
أما لمياء الغوتي، مديرة المعهد الوطني للبحث الزراعي، فقد سلطت الضوء على دور البحث العلمي في تقليص الفاقد الغذائي، موضحة أن الدراسات الميدانية أظهرت أن ما بين 20 و40% من الإنتاج الفلاحي يمكن أن يُفقد في بعض السلاسل.
وأشارت إلى أن الخسائر تختلف حسب المنتجات، حيث تتركز في مرحلة البيع بالتقسيط بالنسبة للطماطم، وفي مرحلة الاستهلاك بالنسبة للبصل، بينما ترتبط في الحوامض بضعف تقنيات الجني، مؤكدة أن الحلول تتطلب تحسين التخزين والنقل، وتطوير البنيات التحتية، إلى جانب تقوية التكوين الفلاحي، خصوصاً لدى الفلاحين الصغار.
المصدر:
العمق