في تناقض مع التوجهات الرسمية الرامية إلى تشجيع الاستثمار وتسهيل المساطر الإدارية، باتت مدينة تازة مسرحا لظاهرة مقلقة تهدد مستقبلها الاقتصادي، حيث يصطدم الاستثمار المحلي والوطني بعوائق غير اقتصادية بتاتا.
هذه العوائق، التي يصفها متتبعون للشأن المحلي بـ”الابتزاز السياسي”، حولت الإجراءات الإدارية، وخاصة التراخيص العمرانية، إلى أدوات ضغط فجة تخدم حسابات انتخابية ومصالح شخصية وحزبية ضيقة، ما جعل المدينة تفقد جاذبيتها الاقتصادية وتتذيل مراتب التنمية الإقليمية.
وتبرز تازة اليوم كواحدة من المدن التي يثير فيها هذا الملف نقاشا محليا متصاعدا، لا سيما في ظل التعثر الممنهج لعدد من المشاريع الاستثمارية الكبرى التي كان يعول عليها لانتشال المدينة من الركود، ودفع عجلة التنمية، وتوفير فرص شغل لشباب المنطقة.
تسييس المساطر.. ضرب لثقة المستثمرين
ويرى خبراء ومتابعون للشأن المحلي أن هذه الممارسات غير المسؤولة تفرغ السياسات العمومية الداعمة للاستثمار من مضمونها الفعلي. فبدلا من أن تجد رؤوس الأموال بيئة حاضنة ومحفزة، يجد المستثمر نفسه عالقا في متاهة من المساطر المعقدة، والتأخيرات غير المبررة، ولجان التسويف.
وتشير المعطيات إلى أن هذه العراقيل قد تتحول في أحيان كثيرة إلى وسيلة غير مباشرة لـ”تركيع” المستثمر، ودفعه نحو الاصطفاف مع جهات سياسية معينة، أو الخضوع لمساومات تسبق المحطات الانتخابية. وتعتمد هذه الآليات، وفق مصادر مطلعة على خبايا ملف الاستثمار بالمدينة، على سلاح “التعمير والبناء”، حيث يتم تعطيل رخص البناء، أو تعقيد الموافقة على التصاميم، ما يضع المستثمرين تحت ضغط مالي وزمني خانق، يجبر البعض إما على الرضوخ أو الانسحاب ونقل مشاريعهم نحو مدن أخرى توفر مناخا أكثر شفافية.
ولعل أبرز مثال حي على هذه البيروقراطية المسيسة، هو مشروع إحداث فرع لمجموعة “أكديطال” الصحية الرائدة بمدينة تازة. هذا المشروع الضخم، الذي تبلغ قيمته الاستثمارية مليارات الدراهم، تحول إلى قضية رأي عام محلي بعد أن طالته أيادي التعطيل.
المشروع لا يمثل فقط استثمارا ماليا، بل هو حاجة اجتماعية ملحة؛ إذ يهدف إلى إحداث مؤسسة استشفائية خاصة بحي “بين الجرادي”، بطاقة استيعابية تبلغ 65 سريرا، مجهزة بأحدث التقنيات الطبية.
وكان من المرتقب أن يشكل هذا المستشفى طوق نجاة لساكنة الإقليم، عبر توفير خدمات طبية متطورة قادرة على التعامل مع مختلف الحالات المرضية المعقدة، مما سيخفف الضغط المهول الذي يعاني منه المركز الاستشفائي الإقليمي “ابن باجة”، وينهي مأساة تنقل المرضى، وفي حالات حرجة، نحو مستشفيات فاس أو الرباط.
إلى جانب البعد الصحي، يحمل المشروع وعودا اقتصادية هامة، حيث سيوفر نحو 60 منصب شغل مباشر لأبناء المنطقة، فضلا عن عشرات فرص العمل غير المباشرة المرتبطة بالخدمات الموازية كالأمن، النظافة، التموين، والنقل.
عرقلة المشاريع.. استنزاف لفرص التنمية
رغم الأهمية الاستراتيجية لمشروع “أكديطال”، تؤكد مصادر مقربة من الملف أن مسار التراخيص الخاصة به عرف تأخرا غير مفهوم، مرجعة ذلك إلى تدخلات سياسية محلية تحاول “الركوب” على المشروع أو استغلاله كورقة ضغط.
وتعتبر هذه المصادر أن تحويل استثمار في قطاع حيوي كالصحة إلى رهينة لحسابات انتخابية ضيقة، هو بمثابة “جريمة اقتصادية واجتماعية” في حق مدينة تازة.
وتحذر فعاليات اقتصادية من أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي حتما إلى “هروب رؤوس الأموال”، فرأس المال بطبيعته يبحث عن البيئة الإدارية المستقرة، الواضحة، والقائمة على سيادة القانون، لا على مزاجية الفاعلين السياسيين.
ولا يقتصر ضرر تعطيل مثل هذه المشاريع على المستثمر وحده، بل يمتد ليضرب الاقتصاد المحلي في مقتل، ويحرم خزينة الجماعة من مداخيل ضريبية هامة، ويغتال آلاف فرص الشغل التي ينتظرها العاطلون.
وأمام هذا الوضع المقلق، تتصاعد أصوات المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين بتازة، مطالبة بتدخل عاجل من طرف السلطات المركزية والولائية، وعلى رأسها وزارة الداخلية والمراكز الجهوية للاستثمار، لكسر هذا الحصار المضروب على الاستثمار.
وتشدد الدعوات على ضرورة تعزيز الحكامة المحلية، ورقمنة مساطر الاستثمار بشكل كامل للحد من التدخل البشري والابتزاز، مع ضرورة تحصين قطاع التعمير من أي توظيف سياسي أو انتخابي.
كما تطالب المصادر المهتمة بتفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وفتح تحقيق في أسباب تعثر المشاريع التنموية بمدينة تازة، وفي مقدمتها مشروع مصحة “أكديطال”، والعمل على تيسير وتسريع التراخيص المرتبطة بها بقوة القانون، حماية للمستثمرين، وضمانا لحق الساكنة في التنمية والخدمات الصحية اللائقة، وانتصارا للمصلحة العامة على حساب المصالح السياسية العابرة.
المصدر:
العمق