آخر الأخبار

"جمهورية المسرح" (8).. "العائد من المزرعة"، عندما حاول "سِّي الطَّيْبْ" إصلاح ما أفسده "الجنرال"!

شارك

هبة بريس – شفيق عنوري

بعد 28 سنة من العيش في المنفى الاختياري بالمغرب، حيث كان يقضي وقته بين تربية الدجاج وإدارة مصنع للطوب، وجد محمد بوضياف نفسه فجأة على متن طائرة خاصة تعيده إلى الجزائر رئيساً للدولة. عاد إلى بلده ليجده كما تركه سنة 1964: صراعاً مفتوحاً على السلطة، وشبكات نفوذ تتنازع للتحكم في مفاصل الدولة.

رئيس من خارج الزمن

ابتعاد بوضياف الطويل عن السياسة جعله شبه غائب عن المشهد الجزائري. فعندما عاد، لم يكن يعرف سوى قلة قليلة من المسؤولين والجنرالات والضباط الذين أصبحوا يمسكون بزمام السلطة. وبدا الرجل، كأنه مسافر عاد فجأة من زمن آخر إلى نظام سياسي تغيرت فيه موازين القوى والوجوه.

مطلوب رئيس دولة..

جاءت عودة بوضياف، الملقب بـ”سي الطيب الوطني”؛ وهو الاسم الحركي له خلال ثورة التحرير، في سياق أزمة سياسية حادة. فقد دخلت الجزائر في فراغ دستوري عقب استقالة الشاذلي بن جديد، الذي رفض ضغوط الجيش لإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

وفي خضم أزمة الفراغ الدستوري الذي هزّ الجزائر، اجتمع أحمد غزالي رئيس الوزراء، والأخضر الإبراهيمي وزير الخارجية، والعربي بلخير وزير الداخلية، وخالد نزار وزير الدفاع، للبحث عن صيغة لإدارة البلاد.

“المُشرفون على تسيير شؤون البلاد”، كما سمتهم جريدة “الشروق” في مقال نشرته في ذكرى اغتيال بوضياف سنة 2016، اتفقوا على إنشاء هيئة رئاسية جماعية أطلق عليها اسم المجلس الأعلى للدولة، برئاسة بوضياف، وعضوية كل من خالد نزار، وعلي كافي، وعلي هارون، وتيجاني هدام.

مهمة إقناع “الرجل الغائب”

بوضياف لم يكن يعلم شيئاً عن هذا القرار، فقد كان مشغولاً بأموره الشخصية في مدينة القنيطرة. لإقناعه بالعودة، كلّف “المُشرفون على تسيير الجزائر” صديقه القديم علي هارون بالسفر إلى المغرب لملاقاته.

توجه هارون إلى مدينة القنيطرة، حيث كان بوضياف يعيش حياة هادئة بعيداً عن السياسة، وأخبره أن الجزائر على وشك الدخول في “حرب أهلية، وأن الفتنة واقعة لا محالة”، ورغم رفضه في البداية، دفع إصرار هارون، “سي طيب” لإعادة التفكير، خصوصا أن الأمر يتعلق بـ”واجب وطني” لـ”إنقاذ الجزائر من المجهول”.

عودة بعد 28 سنة

في 15 يناير 1992، وصل بوضياف إلى الجزائر بعد غياب فعلي دام 28 سنة. وكان في استقباله في المطار وزير الدفاع خالد نزار، والعربي بلخير وزير الداخلية، وأحمد غزالي رئيس الوزراء، إضافة إلى عضوي المجلس الأعلى للدولة علي كافي وتيجاني هدام وعدد من الشخصيات الرسمية.

وفي ساحة المطار أدلى بوضياف بتصريح قال فيه إنه جاء لإنقاذ الجزائر. وبعد انتقاله إلى قصر الجمهورية، خاطب الشعب مؤكداً أنه سيضع حداً للفساد والرشوة، وسيحارب المفسدين داخل النظام، ويعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، داعياً الجزائريين إلى مساعدته في أداء مهمته.

مواجهة الإسلاميين، والولاء للجيش

انخرط بوضياف سريعاً في الصراع السياسي الدائر، وشارك في حملة مواجهة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بالانتخابات التشريعية. وبحسب الباحث يحيى أبو زكريا، فإن بوضياف كان في خطاباته يسخر من الحزب الذي كان يطالب باحترام شرعية صناديق الاقتراع التي منحته الفوز.

نظرا لجهله بتركيبة النظام وموازين القوى، وقع بوضياف في خطأ بروتوكلي عندما قام بزيارة وزارة الدفاع، حيث استقبله خالد نزار وبقية الجنرالات، علماً أن الجيش دستوريا تابع للرئيس، وهو ما كان يتطلب توجه المؤسسة العسكرية إلى القصر الرئاسي، لتقديم الولاء، لا العكس.

اكتشاف النظام من الداخل والحرب على “المافيا”

في البداية بدا بوضياف منسجماً مع رؤية المؤسسة العسكرية، وصرّح أكثر من مرة بأنه عازم على القضاء على الأصولية الإسلامية، كما دافع، عن إلغاء المسار الانتخابي باعتبار أن الأمر كان ضرورياً لحماية الجزائر من الانزلاق إلى الفوضى. لكن احتكاكه بالنظام ورجاله سرعان ما كشف له تعقيدات لم يكن يتوقعها.

مع مرور الوقت بدأ بوضياف يغير نبرة خطابه، فبعد احتكاكه بمراكز النفوذ داخل الدولة، بدأ يتحدث عن “مافيا” تتحكم في شرايين السياسة والاقتصاد الجزائريين. وحسب الباحث أبو زكريا، فقد غُولط بوضياف في كثير من الملفات، قبل أن يكتشف ذلك لاحقا، ويشرع في مهاجمة “المافيا”.

إحساس بالمؤامرة، والأوامر تصدر من فرنسا

شعر بوضياف، مع مرور الوقت، بأن هناك مؤامرة تحيط به، وهو ما أسرّ به لصديقه محمد يزيد، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجزائر وأحد قادة الثورة، الذي خرج بعد اغتيال “سي طيب” باتهامات صريحة لـ”المافيا الجزائرية” بالوقوف وراء قتله.

وصلت تصريحات بوضياف إلى حد القول إن القرار السياسي في الجزائر لا يصنع داخلها بالكامل، فبحسب ما رواه الكاتب الجزائري سالف الذكر، فقد صرح “سي طيب” بأن: “الجزائر تسير بناء على أوامر تصلها عن طريق الفاكس من الإليزي في باريس”.

ملفات الفساد الثقيلة

بدأ بوضياف يكرر في خطاباته مصطلح “المافيا”، داعياً الشعب الجزائري إلى محاربتها لأنها، حسب قوله، “متمسكة بزمام الأمور في سياسة الجزائر واقتصادها”. وكان يُحمل هذه الشبكات مسؤولية التدهور الذي عرفته البلاد منذ تولي الشاذلي بن جديد الحكم سنة 1979.

وركز بوضياف بشكل غير مسبوق على تلك الشبكات التي، بحسبه، نخرت الاقتصاد، وفقّرت الشعب، واختلست ملايين الدولارات. وكان يعد الجزائريين باستمرار بتطهير النظام من هذه “الفيروسات” التي ظلت تدير الحكم، حسب وصفه، بجهاز تحكم عن بعد.

فضائح يعرفها الجميع

ويروى أبو زكرياء، أن بوضياف لم يكن في حاجة لذكر أسماء هذه “المافيا” بشكل صريح، لأن رموزها كانت معروفة لدى كثير من الجزائريين، فأخبار ثرواتهم وأرصدتهم في أوروبا وأمريكا، وفيلاتهم الفخمة داخل الجزائر في ظل أزمة السكن، كانت حديثاً يومياً في المقاهي وبين الشباب.

في البداية اعتقد كثيرون أن بوضياف يناور لامتصاص الغضب الشعبي، لكن الرئيس شرع بالفعل في اتخاذ خطوات عملية، حيث أمر بإيداع الجنرال مصطفى بلوصيف السجن العسكري في منطقة البليدة بسبب اختلاسه أموالاً من وزارة الدفاع، وقدم للجنرال محمد العماري أربعة آلاف ملف يتعلق بهوية مختلسي 26 مليار دولار والسماسرة الذين أنهكوا الاقتصاد الجزائري.

النهاية المأساوية

يرى الكاتب الجزائري يحيى أبو زكريا أن هذه المواجهة كانت بداية النهاية، إذ يقول إن الجنرالات “أرادوا أن تغذوا ببوضياف قبل أن يتعشى بهم”، فكانت النتيجة اغتياله، لينال، في عهد الاستقلال، الشهادة التي سعى إليها في عهد الاستعمار، مختتماً أن سّي الطيب قتل، وطُوي ملفه، وما زال قاتلوه يصنعون القرار السياسي في الجزائر!

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا