إذا كانت الأرقام في الجزء الأول قد كشفت عن “تضخم” في المقترحات مقابل “شح” في المصادقة، فإن الوصول إلى حدود الحقيقة يضعنا أمام سرد جديد للحكاية سؤاله الأصلي: هل الأغلبية النيابية مسؤولة حقّا عن تعطيل الماكينة التشريعية للبرلمان؟
في هذا الجزء الثاني، تصطدم رواية المعارضة التي تتحدث عن “تغول حكومي” ومحاولات “إفراغ الدور البرلماني من محتواه” برواية الأغلبية التي تدافع عن “الواقعية التقنية” وتعتبر أن “صناعة القانون ليست مجرد “نوايا سياسية”؛ بل هي “هندسة معقدة تتطلب خبرات تتوفر للحكومة وتغيب عن الفرق”.
أصر عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، على أن “جعل الحكومة مصدرا ذا أولوية في التشريع يُنتج ضعفا في المبادرة ذات المصدر البرلماني، ويعطل مقتضيات في الدستور والنظام الداخلي تقر جلسة شهرية لمناقشة مقترحات القوانين”.
واعتبر بووانو أن “الفرق النيابية تتحمّل جزءا من المسؤولية في هذا التعطيل. إنها مدعوة إلى الدفاع عن المؤسسة التشريعية أولا، قبل التماهي مع الحكومة في إطار الانتماء إلى الأغلبية”.
هكذا، أبدى محمد شوكي، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، عدم موافقته على عمليّة “الفصل السياسي” التي تريد فك الارتباط بين الأغلبية البرلمانية وأختها الحكومية، معتبرا أن الأولى “امتداد طبيعي” للثانية “مثلما هو الأمر في كل ديمقراطيات العالم”.
وتابع شوكي، أثناء تفاعله مع أسئلة هسبريس، أن “الحكومات في العالم هي مصدر الإنتاج التشريعي، وهذا هو عملها الأساسي المرتبط بالسلطة التنظيمية، وبالتبعية فإن الأغلبيات تجد نفسها بالضرورة جزءا من مشاريع القوانين التي تأتي بها الحكومة، والتي تكون أكثر فعالية ودقة وإحاطة”.
وسجل رئيس المكون الأول في مجلس النواب أن هذه العناصر “لا تتأتى دائما للبرلمانيين”؛ وهو “ما يفسر تفاوت الأرقام في عدد المشاريع بين الأغلبية والمعارضة”.
وزاد المتحدث عينه: “نحن نعتبر كل الحصيلة التشريعية حصيلتنا؛ لأننا ساهمنا فيها نقاشا وتعديلا وتصويتا، لكن المعارضة تحاول تضخيم عدد مقترحات القوانين، التي تكون في الغالب مجرد تعديلات في المواد”.
ومع ذلك، اعترف شوكي بأن “التجربة الحالية مع مقترحات القوانين تؤكد وجود صعوبات حقيقية أمام النواب والفرق والمجموعات البرلمانية”، مبرزا أن “القانون قبل أن يخرج إلى الوجود يحتاج إلى سنوات من الدراسة والتمحيص والمقارنة مع القانون الدولي والمحلي، وهذا العمل يحتاج خبرات وكفاءات متعددة”.
وذكر النائب البرلماني، الذي تمت المصادقة على مقترحي قانون تقدم بهما فريقه خلال الولاية التشريعية الحالية، أن “أي قانون قبل أن يصل إلى البرلمان تشتغل عليه كل القطاعات الحكومية تحت إشراف الأمانة العامة للحكومة، التي تمتلك خبراء من درجة عالية في الصياغة القانونية”، وتساءل: “هل هذه الإمكانيات في متناول النائب البرلماني والفرق النيابية؟”، ثم أجاب: “حتما لا”.
كما قال المتحدث إن “الاقتراح التشريعي في تجربتنا البرلمانية ما زال لم يصل إلى الكفاءة والفعالية المطلوبة”، موردا أن “الحكومة تتفاعل معها في ظل الضوابط الدستورية؛ فهي غير معنية بها بشكل مباشر، لأن هذا الأمر شأن برلماني صرف محدد في الاختصاصات الدستورية للسلطة التشريعية.. فالمعني بها هي الفرق التي تتقدم بها والتي من المفترض أن تضمن لها الأغلبية”.
لكن بالنسبة لعبد الله بووانو، فإن هذا التصور الذي تدفع به الحكومة “يعكس نوعا من قلة الاحترام للبرلمان، وانتقاصا من أدوار النواب وتشكيكا في قدراتهم المعرفية والسياسية”، موردا أن “الإكراهات التي ترتبط بمقترحات القوانين هي في الحقيقة سياسية وليست قانونية، وتتعلق بهيمنة الحكومة على التشريع واحتكار المبادرة التشريعية، وغياب المقاربة التشاركية”.
أما النائب رشيد حموني، فاعتبر أن “الأغلبية تشكل قوة التصويت المؤثر في اتجاه احترام المسطرة أو عدم احترامها”؛ فيما “تحاول معارضة نحاول بكل ما أوتيت من وسائل قانونية من الدفاع والترافع من أجل برمجة مقترحات القوانين، ومن أجل حضور الحكومة للتعبير عن موقفها حضوريا من خلال النقاش، تماما كما يفعل البرلمانيون في مناقشة مشاريع القوانين”.
من جانبه، سجل أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، أن “المسطرة التشريعية واحدة”، موضحا أن “الفرق هو أن الحكومة غير ملزمة بحضور الدراسة والتصويت على المقترحات في اللجان النيابية الدائمة المختصة، عملا بقرار المحكمة الدستورية رقم 25/256 الصادر بتاريخ 4 غشت 2025، الذي نص على أن حضور الحكومة لا يعد شرطا جوهريا يترتب على تخلفه بطلان المسطرة التشريعية أو توقفها”.
وشدد التويزي، ضمن حديثه إلى هسبريس، على أن “مسؤولية البطء من عدمها ملقاة على عاتق مكاتب اللجان النيابية الذين عليهم احترام الآجال المنصوص عليها في النظام الداخلي المرتبط ببرمجة مقترحات القوانين قصد الدراسة والتصويت عليها”، مضيفا أنه “ليس هناك ما يمنعهم قانونا من البرمجة الاعتيادية لدراسة المبادرات النيابية، ويبقى للمجلس حق التصويت عليها بالرفض أو الإيجاب”.
ومضى رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب قائلا: “الحكومة لا تدخر جهدا في التفاعل مع مقترحات القوانين ذات الأصل البرلماني، خصوصا أنها ملزمة بمقتضيات المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، التي تنص على تخصيص الحكومة اجتماعا كل شهر على الأقل لدراسة مقترحات القوانين التي يتقدم بها أعضاء البرلمان من الأغلبية والمعارضة وتحديد موقف الحكومة بشأنها”، لافتا إلى أن “الحكومة دأبت على عقد هذا الاجتماع بانتظام، وموافاة أعضاء البرلمان بموقفها من المبادرة التشريعية إيجابا أو سلبا”.
واختتم التويزي بالتأكيد على أن “الحكومة تقف على مسافة واحدة من مكونات مجلسي البرلمان، وتحرص على قبول المبادرات التشريعية لأعضاء البرلمان التي تندرج في إطار برنامجها واستراتيجياتها ومخططها التشريعي”.
كشف مصدر رفيع في البرلمان أن “البطء المتسبب في تراكم النصوص المقترحة راجع إلى تمسك غريب من لدن الفرق والمجموعات النيابية بحضور الحكومة، مع أن المحكمة الدستورية حسمت هذا الأمر واعتبرت الحضور على سبيل التخيير”، محذرا من كون “مقترحات القوانين أحيانا تكون بوابة جديدة للمزايدة السياسية”.
وسجل المصدر أن “بعض الفرق تكتفي بتقديم مقترحات للاستهلاك الإعلامي دون مراعاة قابليتها للتطبيق، كما أن مشروع قانون حكوميا واحدا قد يعادل في حجمه وجهده التقني 100 مقترح برلماني من مادة واحدة”، موردا أن “المعارضة عوض النقد الدائم للأغلبية، يمكنها الحشد للمبادرات التشريعية التي تتقدم بها والإقناع بها. إن التصويت عليها بالرفض يتم وفق الشروط الديمقراطية نفسها التي يتم التعامل بها مع مشاريع القوانين الحكومية”.
عقيدة التشريع نفسها حاضرة أيضا في مجلس المستشارين. وتشير المعطيات الخاصة بالوضعية التشريعية بالغرفة الثانية إلى حركية حاضرة في تقديم مقترحات القوانين خلال الولاية التشريعية الحالية، حيث بلغ إجمالي المبادرات المقدمة من لدن أعضاء المجلس 82 مقترحا (بين قوانين عادية وتنظيمية).
سجلت الوثائق البرلمانية أن مجموعة العدالة الاجتماعية، التي ضمت المستشارين المصطفى الدحماني ومحمد بن فقيه وسعيد شاكر، أودعت 16 مقترح قانون، قبل أن تقرر المجموعة الالتحاق بصفوف فريق التجمع الوطني للأحرار في أكتوبر 2024. وبإضافة هذه المبادرات إلى المقترحات الأصلية للفريق (19 مقترحا)، يصبح إجمالي الرصيد التشريعي المرتبط بـ”الأحرار” 35 مقترحا.
في سياق متصل، برز خالد السطي (عن نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب) بحضور شمل 9 مقترحات ركزت في مجملها على إصلاح منظومة الوظيفة العمومية والعمل النقابي، إضافة إلى 8 مقترحات أودعها الفريق الحركي.
كما سجل الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية حصيلة بلغت 11 مقترحا؛ منها 4 مقترحات قوانين تنظيمية، أودعت بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب طبقا لأحكام الفصل 85 من الدستور، إلى جانب 7 مقترحات ركزت بشكل أساسي على القوانين التنظيمية للجماعات الترابية وآليات تنشيط السياحة الداخلية.
وساهم فريق الأصالة والمعاصرة بـ7 مقترحات؛ فيما توزعت باقي المبادرات بنسب متفاوتة بين الفريق الاشتراكي (4 مقترحات)، وفريق الاتحاد المغربي للشغل (3 مقترحات)، وفريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب (3 مقترحات)، وصولا إلى مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي ركزت مبادرتيها على ملفي المحروقات وشركة “سامير”.
وبناء على المعطيات التي توفرت لجريدة هسبريس، فقد خُصصت لمقترحات القوانين في الغرفة البرلمانية الثانية مجموعة من الجلسات العامة الموزعة عبر ثلاث ولايات تشريعية؛ حيث سجلت الولاية التشريعية (2011-2016) ما مجموعه 20 جلسة عامة، بينما ارتفع هذا العدد خلال الولاية التشريعية (2016-2021) ليصل إلى 22 جلسة عامة، في حين تم حصر 15 جلسة عامة خلال الولاية التشريعية الحالية (2021-2026) وفقا لآخر التحديثات المتوفرة.
وبعد كل ذلك، يبقى السؤال: كيف يمكن اختبار مبادرات البرلمان كلها في إطار الحاجة إلى التشريع الوطني؟
هذا ما نتابعه في الجزء الثالث والأخير من ملف هسبريس.
المصدر:
هسبريس