هي معظم العائلات المغربية ومنطق ” راه العين كبيرة” لا أحد يستغني عن ملذات موائد فطور رمضان، ” كل واحد وعلاش قدر”، لكن في المحصلة هي أجواء روحانية بدفء عائلي، تسبقها حمى التسابق والتدافع والتكدس على أبواب المحلات التجارية وفي الشوارع والأزقة من أجل اقتناء المستلزمات بكميات كبيرة قد يكون المرء في غنى عنها أحيانا، وترى نسوة من دعائم البيوت وأعمدتها من صانعات الشهيوات، ألسنتهن لاتكف عن منطق ” جيب معاك البصلة الفلفلة عنداك تنسى النعناع وماطيشة، شوف معاك ليقامة، عنداك الحلوى، إياك تنسى الفواكه والعصائر…الحمص والعدس تاهما….
واللائحة طويلة….”وكأن الأمر يتعلق بحالة طوارئ، أو على موعد مع الاغلاق التام للمحلات والأسواق التجارية، ومن بين ثنايا هذا الازدحام والتدافع تبرز كائنات أخرى تجد في الأمر فرصة مواتية، إما لتمرير مواد فاسدة أو أخرى منتهية الصلاحية، أو ينهجون أساليب أخرى تتعلق بالاحتكار والمضاربات، ومع هذا ترتفع الأسعار.
عُـــــذرا ياسادة، فشهر رمضان، هو شهر القرآن والقيام والإحسان، وهو فرصة حسب رأي العلم والطب للحفاظ على صحة البدن مع التقليل من الأكل والشرب لتطهير أجهزة الجسم من الشوائب ومخلفات الأطعمة السابقة ورواسبها من أملاح وسكريات زائدة…
فما أن ينتهي رمضان حتى يدخل المرء في متاهة أخرى لتوفير أضحية العيد، وبين هذا وذاك، يتسلل كائن انساني اعتاد على الظهور أياما قبيل العيد، ليشنق رقاب العباد رفقة باقي الشناقة من بني جلدته معكرا صفو أجواء العيد، ومؤثرا بشكل كبير في أثمنة الأضاحي بأسلوب محبوك يبتز العارضين من خلاله لإجبارهم بالقوة على بيع معروضاتهم تحت طائلة البيع بالمزاد العلني.
• ضبط إيقاع الأسعار في رمضان.. واقع يسائل الحكومة
يقول المحلل السياسي والأستاذ الجامعي ” عمر الشرقاوي”: إن الحكومة اليوم وفيما تبقى من ولايتها، تواجه اختباراً ليس كباقي الاختبارات؛ فالمسألة هنا لا تتعلق بمؤشرات الماكرو-اقتصاد أو بالمنجزات التي تحققت في معدلات النمو والعجز والتضخم، بل بـقفة المواطن وطقوسه الدينية والاجتماعية التي لا تقبل القسمة على اثنين.
يقول الشرقاوي: إننا اليوم أمام تحديين مفصليين: ضبط إيقاع الأسعار في شهر رمضان، وتدبير فوضى سوق الأضاحي بمناسبة “العيد الكبير”.
وإذا كانت تقول القاعدة الاقتصادية تقول إن الوفرة تؤدي إلى انخفاض الأسعار، إلا أن السوق المغربية، غالباً ما تُكسر هذه القاعدة، بسبب كثرة الوسطاء والمضاربين والشناقة حيث يمر المنتج أحياناً عبر 3 إلى 5 وسطاء قبل وصوله للمستهلك، مما يرفع الثمن بنسبة قد تصل إلى 300% عن ثمنه الأصلي في الضيعة أو البحر.
وأضاف الشرقاوي إن إعلان الحكومة أن العرض يفوق الطلب قد يتحول إلى مجرد “ذبذبات صوتية” إذا ظل الحبل على غارب الوسطاء (الشناقة) الذين يمتلكون قدرة رهيبة على تخزين السلع والتحكم في تدفقها لرفع الأسعار.
فبالنسبة للمواطن، رمضان ليس شهراً للتقشف، وعيد الأضحى ليس مجرد “لحم”، إنهما هويتان استهلاكيتان وحقوق اجتماعية وعادات وأعراف، وهو = ينتظر من السلطات أن تكون “حكماً حازماً” وليس “متفرجاً” يراقب بصمت كيف يلتهم “الشناقة” مدخرات الأسر البسيطة.
أما فيما يخص عيد الأضحى وبعد تجربة إلغاء الذبح أو الصعوبات التي واجهت الأسر العام الماضي، تشرئب الأعناق نحو سوق الأضاحي، فلا يمكن السماح بتحويل هذه الشعيرة إلى فرصة لـ “الإثراء غير المشروع” على حساب جيوب الطبقة الوسطى والفقيرة.
لذلك لم يعد كافياً أن تفتخر الحكومة بملء الأسواق بالبضائع، فالمهمة اليوم (يقول الشرقاوي) هي هندسة التوزيع وهذا يقتضي حسب رأيه:
• تفعيل المراقبة الصارمة اللجان المراقبة ليس فقط في الأسواق الكبرى، بل في أسواق الجملة ونقاط العبور.
• قطع دابر الشناقة والمضاربين فالحكومة مطالبة بوضع آليات تحد من التدخل المفرط للوسطاء الذين يستغلون “اللهطة” المصطنعة لرفع الأثمان.
وختم الشرقاوي تدوينته بالقول: ” قد يبدو النقاش حول أسعار الطماطم أو كبش العيد “ثانوياً” في الصالونات السياسية، لكنه في الواقع سلاح سياسي فتاك، من يسيطر على استقرار الأسواق في هذه اللحظات يربح ثقة الشارع، ومن يتركها للريح يفتح الباب أمام نقاش عمومي متفجر قد يعصف بمكاسب حكومية أخرى، لذلك فالحكومة اليوم أمام خيارين: إما إثبات قدرتها على الضبط والربط الميداني، أو التحول إلى شاهد زور على مجزرة لقمة العيش التي يرتكبها الشناقة والمضاربون”.
المصدر:
هبة بريس