أكد كاتب الدولة لدى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، عبد الجبار الرشيدي، أن الحكومة تسعى لتطوير السياسات الاجتماعية بالمغرب، عبر بحث وطني جديد حول الإعاقة وخطط مبتكرة لدعم المسنين والفئات الهشة، مع الحفاظ على التكامل بين مختلف القطاعات والمجتمع المدني، وذلك في معرض اجاباته على أسئلة المستشارين يوم الثلاثاء 3 فبراير الحالي بالبرلمان.
وفي رده على سؤال الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية حول البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، أكد كاتب الدولة أن هذا البحث يشكل محطة مفصلية في مسار بلورة سياسات عمومية ناجعة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، مبرزًا أن آخر بحث وطني في هذا المجال أُنجز سنة 2014، حيث كشف حينها عن نسبة انتشار للإعاقة تراوحت بين 6.8 بالمائة و8 بالمائة.
وأضاف أن الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أظهر نسبة 4.8 بالمائة، غير أن طبيعة الإحصاء العام، بحسبه، لا تسمح بتقديم صورة دقيقة ومتخصصة، وهو ما جعل الحكومة تتجه نحو إنجاز بحث وطني ثالث بعد مرور أزيد من 10 سنوات من أجل تحيين المعطيات.
خريطة وطنية للإعاقة
وشدد الرشيدي على أن “الهدف ليس هو جمع الأرقام ووضعها في الرفوف، بل اعتماد نتائج البحث في إعداد البرامج العمومية والسياسات العمومية والمخططات القطاعية”، موضحًا أن هذا الورش لا يهم قطاع الإدماج الاجتماعي وحده، بل هو مسؤولية عرضانية تشمل مختلف القطاعات والمتدخلين.
وأوضح كاتب الدولة أن هذا البحث يروم تقديم خريطة وطنية دقيقة للإعاقة بالمغرب، تشمل نسب الانتشار والتوزيع الترابي وأنواع الإعاقات، فضلًا عن تحديد الإكراهات التي تحول دون الإدماج الاجتماعي الكامل للأشخاص في وضعية إعاقة، سواء تعلق الأمر بالتمدرس أو الولوج إلى الخدمات الصحية أو المشاركة الاجتماعية. وقال في هذا السياق إن “امتلاك خريطة وطنية وجهوية للإعاقة سيمكن مختلف الجهات من إدماج هذه المعطيات في مخططات التنمية الجهوية ومخططات التنمية الترابية المندمجة”، بما يضمن التقائية الجهود وتحقيق العدالة المجالية.
وأشار الرشيدي إلى أن البحث يتم إنجازه وفق مقاربة تشاركية، بشراكة مع المندوبية السامية للتخطيط، والمرصد الوطني للتنمية البشرية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، إضافة إلى إشراك فعاليات المجتمع المدني، مؤكدًا أن العينة المستهدفة ستشمل حوالي 20 ألف أسرة موزعة على مختلف جهات المملكة، بما يضمن تمثيلية وازنة ونتائج علمية دقيقة. كما شدد على أن الوقاية من الإعاقة تشكل أولوية ضمن مخطط النهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، معتبرًا أن الاستثمار في الوقاية يخفف العبء الاجتماعي والاقتصادي مستقبلاً.
الخطة الوطنية للنهوض بالشيخوخة
وفي محور أوضاع المسنين والمتقاعدين وتعزيز التكفل بهم، خاصة في المناطق القروية، أوضح كاتب الدولة أن المغرب يشهد تحولات ديموغرافية عميقة، تتمثل في اتساع قاعدة المسنين وتراجع قاعدة الشباب، حيث يبلغ عدد المسنين حاليًا حوالي 5 ملايين شخص وفق إحصاء 2024، مع توقعات ببلوغ هذا العدد 10 ملايين في أفق سنة 2050. ولفت إلى أن الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، إلى جانب تراجع نسبة الخصوبة من أكثر من 6.5 بالمائة في خمسينيات القرن الماضي إلى حوالي 1.97 بالمائة حاليًا، يطرح تحديات اجتماعية كبرى تستدعي مراجعة نماذج التكفل التقليدية.
وأكد الرشيدي أن خيار التوسع في دور الإيواء ومؤسسات الرعاية الدائمة ليس بالضرورة الخيار الأنسب، بالنظر إلى الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي، موضحًا أن الوزارة اعتمدت مقاربة ترتكز على السياسة الأسرية المندمجة، التي تهدف إلى دعم الأسر، خاصة الهشة منها، لتمكينها من رعاية المسنين داخل محيطهم الأسري. وقال بهذا الخصوص إن “الدعم يوجه للأسرة من أجل ضمان بقاء المسن داخل الحضن الأسري، مع توفير الحاجيات الأساسية التي تضمن كرامته وجودة عيشه”.
وفي السياق ذاته، أبرز كاتب الدولة أن الوزارة عملت على تطوير بدائل حديثة، من بينها إحداث جيل جديد من الخدمات يتمثل في النوادي النهارية للمسنين، حيث يستفيد المسن من خدمات صحية أولية وأنشطة رياضية وثقافية واجتماعية خلال النهار، قبل عودته إلى أسرته في المساء، بما يعزز التماسك الأسري ويحد من العزلة الاجتماعية. واعتبر أن هذا النموذج يحقق توازنًا بين الرعاية الاجتماعية والحفاظ على القيم الأسرية.
كما توقف الرشيدي عند الخطة الوطنية للنهوض بالشيخوخة النشيطة 2023-2030، موضحًا أن فلسفتها تقوم على اعتبار مرحلة التقاعد بداية لمسار جديد وليس نهايته، مع تثمين خبرات المتقاعدين وإشراكهم في نقل التجارب والمعارف إلى الأجيال الصاعدة، سواء في إطار العمل التطوعي أو عبر آليات منظمة. وأكد أن “المتقاعد راكم خبرات مهمة، ويمكنه أن يساهم في التنمية وفي تقوية التضامن بين الأجيال”.
مهن الرعاية الاجتماعية
وفيما يتعلق بتطوير مهن الرعاية الاجتماعية، أشار كاتب الدولة إلى أن القانون رقم 18.45 المتعلق بتنظيم مهنة العاملات والعاملين الاجتماعيين يشكل ورشًا أساسيًا لإحداث فرص شغل وتأهيل الموارد البشرية القادرة على تقديم خدمات ذات جودة لفائدة المسنين، خاصة في ظل تزايد الطلب على هذه المهن داخل الأسر. وأضاف أن الوزارة تعمل على برامج للتكوين وتقوية القدرات في مجال المساعدة الاجتماعية، في إطار تعاقدي يحفظ حقوق جميع الأطراف.
وعلى مستوى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، أوضح الرشيدي أن عددها يبلغ 92 مؤسسة، منها 72 مؤسسة مرخصة، وتستقبل الأشخاص الذين يوجدون في وضعية صعبة ولا يتوفرون على معيل، بعد دراسة ملفاتهم الاجتماعية، مشيرًا إلى أن عدد المستفيدين من هذه المؤسسات يصل إلى حوالي 7900 شخص. كما أكد أن الدعم الاجتماعي المباشر يشمل أزيد من 1.3 مليون مستفيد يفوق سنهم 60 سنة، ما يعكس، بحسبه، التزام الدولة بحماية الفئات الهشة.
وفي الجانب الصحي، تطرق كاتب الدولة إلى معطيات التغطية الصحية، موضحًا أن الأشخاص المنخرطين في نظام “أمو تضامن” من فئة المسنين، والبالغ عددهم 8.5 ملايين منخرط، يستفيدون من حوالي 36.7 بالمائة من نفقات التعويضات، فيما يستفيد 18.1 بالمائة من منخرطي الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي من حوالي 45.2 بالمائة من النفقات، وهو ما يفسره بارتفاع كلفة العلاجات والأمراض المزمنة مع التقدم في السن. وأكد أن هذه الأرقام تبرز حجم التحديات الصحية المرتبطة بالشيخوخة، وأهمية تعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية.
وخلال مداخلته، شدد عبد الجبار الرشيدي على أن السياسة الاجتماعية الحكومية ترتكز على مقاربة حقوقية، تعتبر أن رعاية الأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين ليست مسألة إحسان، بل التزام دستوري وأخلاقي، قائلًا إن “الرهان هو بناء سياسات عمومية مبنية على المعطيات الدقيقة، وعلى التنسيق بين مختلف الفاعلين، لضمان الكرامة والاندماج الاجتماعي لكافة الفئات”. وأكد أن الحكومة تواصل العمل على تطوير هذه السياسات بما ينسجم مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية، ومع التوجيهات الكبرى الرامية إلى تعزيز الدولة الاجتماعية.
المصدر:
لكم