آخر الأخبار

"فيضانات سبو" تغرق المنازل والماشية .. والسلطات تسارع إلى إنقاذ الساكنة

شارك

تحت شمس خجولة تتوارى خلف غيوم كثيفة، تشق سيارة هسبريس طريقها نحو قلب الشمال الغربي للمملكة، حيث تترامى دواوير تعيش، منذ أيام، على وقع ارتباك أحدثه ارتفاع منسوب مياه واد سبو جراء تنفيس جزئي لسد الوحدة، مدفوع بتساقطات فاقت “النفع” في تصور فلاحي المنطقة.

عند آخر نقطة من جماعة دار الكداري توقفنا؛ حيث تقيم السلطات المحلية وعناصر الدرك سدا يمنع من التقدم إلى دواوير الجارة جماعة “الرميلات”؛ فتعليمات “صارمة” وجهت بألا تنقل، إلا لإجلاء العالقين في دواوير هذه الأخيرة، وهو حصر على عناصر الوقاية المدنية ورجال السلطة والقوات المساعدة.

وبالتقدم إلى عمق الرميلات، يتكشف حجم الضرر؛ فحقول الساكنة، كما حظائرها وسوقها الأسبوعي، مغمورة بالمياه. وعند حوالي كيلومتر عن “الكداري”، فرضت الحاجة إلى تخفيف ضغط “مياه سبو” عن جانب، شق مسار لها إلى الجانب الآخر من الطريق.

عند حوالي الساعة الثالثة عشرة والنصف، يدخل زورق “زودياك”، على متنه سبعة من عناصر الوقاية المدنية، بينهم غواص، إلى الحقول المغمورة. إنها إحدى المهمات، لإجلاء أشخاص طوقتهم المياه بالفيض، سلموا “أخيرا” بضرورة الإجلاء، بعد أن أبدوا خلال اليوم السابق “نوعا من الممانعة المبررة”، بما أنهم يخشون مصيرا سيئا لمصدر الرزق: الماشية.

وحسب ما أكدته السلطات، فإن إجلاء ساكنة جماعة الرميلات يتم إلى المؤسسات التعليمية بدار الكداري، مشددة على “توافر ظروف جيدة للإيواء، وعدم تسجيل أية خسائر في الأرواح إلى حد الآن بفعل الفيضان”.

مصدر الصورة

لا سبيل إلى “العائلة”

ننتقل صوب جماعات إقليم سيدي سليمان، وفي المسار إليها يظهر، من خلال منسوب المياه، أن حجم الخطر يتباين؛ لكنه لا يختفي كلية. وعند مدخل جماعة أولاد حسين، يتحلق الناس أيضا في شكل مجموعات، يراقبون مياه “الفيض” التي تزحف يوميا إلى المناطق المحاذية، كما يقولون، مع ملامح يبدو أنها “تتوجس من الأسوأ” في الساعات المقبلة.

منير شرف، من بين المنتظرين؛ لكن قصته مختلفة. فالرجل، كما أكد، كان غادر إلى القنيطرة لقضاء بعض الأغراض؛ لكن عند عودته اليوم، وجد الدوار حيث يقطن، “العبييات”، محاصرا تماما بالمياه، و”لا سبيل إلى الدخول إليه، رغم كل المحاولات”.

وبنبرة قلقة، عبّر منير لهسبريس عن خشيته على مصير 14 فردا من عائلته، عالقين بالدوار، فضلا عن المئات من جيرانهم.

وأضاف الأربعيني والأب لخمسة أطفال: “الدوار مطوق بالماء من كل جهة، ولم أجد كيف أتواصل مع عائلتي، سوى عبر الهاتف”.

وشدد المتحدث عينه على أن “هذا الفيضان لم نشهد مثله منذ 16 سنة. وهو أصعب من الذي مر سنة 2009″، مؤكدا أن “كلشي داير جهدو، من السلطات؛ لكن هذا أمر الله في نهاية المطاف”.

“الناس مبغاتش تسمح فبهايمها (ماشيتها)؛ فهي مصدر قوتها الوحيد”، وفق شهادة منير، الذي استدرك بأنهم “لا يملكون مسارات أساسا للخروج” في إشارة إلى ساكنة دوارهم.

مصدر الصورة

إجلاءات.. ورعب

في غضون حصار مياه واد سبو لدوار العبييات، تسارع السلطات لأجل إجلاء دواوير أخرى بتراب الجماعة. وعلى الرغم من تعذر العثور على رئيس الجماعة الترابية بين الحشود والاتصال به لنيل حصيلة “المهددين”، و”الذين تم إجلاؤهم”، فإن مصادر متطابقة من عين المكان أكدت أن نسبة “10 في المائة تقريبا” فقط هي غير المهددة، مشددة على “وجود المسؤول الجماعي في غالب الأوقات لمتابعة الأوضاع”.

وأفادت المصادر ذاتها بأن “قائمة الدواوير المحاصرة بهذه الجماعة تشمل: “السوالم” و”القليعة” و”قرية الحسناوي” و”العبييات” و”الغراربة” و”العزابة” و”تيهلي الكبير””. وتعطى الأولوية للدواوير التي “داهمتها المياه فعلا”.

يجلى المتضررون، أساسا، إلى ثانويتي “أولاد بدي” و”الخلايق” القريبتين.

ولا تكف جرارات مقطورة عن الذهاب والإياب من وإلى المناطق المحاصرة، بغرض إجلاء العالقين بمواشيهم.

مصدر الصورة

وقال عمر المعزاري، بعد أن أخرج ماشية أخيه إلى “بر الأمان”، إنه “سينقذها من خطر الفيضان إلى منطقة سيدي عبد العزيز القريبة”، حيث يقطن.

وأضاف، مصرحا لهسبريس، وهو يحول الماشية وكلئها الناجي إلى سيارة لنقل البضائع: “شرعنا، اليوم فقط، في إجلاء المواشي من حظائرها”.

وتقاسم بدوره التأكيد على أن “المنطقة شهدت فيضانا كبيرا للوادي، سنتي 2009 و2010؛ ولكن ذاكرته لا تختزن مثيلا للمشاهد الحالية.

“لم تصلنا بعد مياه الفيض، لكن هنا لأطمئن، ولو من بعيد على أقاربي لي كلهم واكلين الدق”، قال نور الدين من جماعة المساعدة، مشيرا، وهو يقيس “بعينيه” حجم الخطر، إلى أن ذلك يجعله يحس “بمعاناة الأقارب”.

مما ينقل إليه أقاربه العالقون تحديدا بدواري “سوق الجمعة” و”القليعة” بالمنطقة: “ها الماء داير بينا”، “ها السلطات جابت المساعدات”، مشددا على أنهم يعيشون “في رعب”.

وشدد المتحدث عينه على أن “الساكنة لم يعد شاغلها الأرض التي ضاعت؛ بل حماية الأرواح”.

مصدر الصورة

من المسؤول؟

وفي غمرة الأزمة لا يغفل المتضررون نقاش المسؤولية؛ فقد تحسر نور الدين لأن “القائمين على السد (سد الوحدة) لم يقوموا بالتفريغ في وقت سابق، حيث تأخروا حتى جاءت الأمطار ليفرغوا دفعة واحدة (علما أن الأمر يتعلق بتفريغ جزئي)”، بتعبيره.

وزاد “آمل ألا يتكرر هذا الخطأ ثانية، وأن تقوم الجهات المختصة بإجراء طلقات مائية خلال فصل الصيف حتى يعوض الفلاحة ما ضاع”.

بدوره، تمسك عبد الرحيم عفيفي، أستاذ وابن المنطقة، “بوضع النقاط على الحروف”، فوفقه، “معلوم أن “الغرب” يشهد، من عقد إلى آخر، نفس الفيضانات. لكنهم (السلطات) لا يفكرون تفكيرا عقلانيا جديا لتفادي هذه الكوارث”.

مثلا، “بالنسبة لسد الوحدة، الذي يعد السبب المباشر في إغراق المنطقة، لم يجلؤوا إلى تفريغه جزئيا، حتى وصل نسبة 80 في المائة”؛ بينما “كان بإمكانهم أن يتفادوا كل هذه الخسائر، باللجوء إلى التفريغ عند عتبة 50 أو 60 في المائة، خصوصا أننا مقبلين على أمطار أخرى في فبراير ومارس”.

بالمقابل، قال محمد بازة، الخبير المائي، في تواصل هاتفي مع الجريدة: “حسب تتبعنا، فإن حجم الأمطار الأخيرة فاجأ حتى المشرفين على السدود، فنحن نتحدث عن تساقطات غزيرة في ظرف وجيز”، مؤكدا أنها “من خلقت هذه الفيضانات، فتم اللجوء إلى التفريغ الجزئي”.

ولفت الخبير ذاته إلى أن المغرب لم يشهد، في التاريخ القريب، مثل الوضعية الراهنة، سواء بالغرب أو بالشمال، تحديدا القصر الكبير؛ ما يعني أن السلطات لم تكن تمتلك مراجع لهذه التجارب.

مصدر الصورة

“الرزق” مغمور

رغم أنه بعيد نسبيا، في ميزان الضرر المباشر، عن فيض واد سبو، فإن الأخير غمر كلأ ماشية نور الدين. وقال: “البال (التبن في حزم) داه الواد. وحاليا أفكر في تغذية ماشيتي أكثر من غذائي”.

وناشد الدولة و”المحسنين” من أجل إرسال مساعدات إلى المتضررين، خصوصا الفلاحة، ولا سيما “البال”.

لا خسائر في الأرواح؛ لكن “الماشية محاصرة” و”الحقول الزراعية غمرت بالكامل، حيث إن فلاحات موسمية، كالشمندر السكري والزرع تضررت”، وفق الأستاذ عفيفي، الذي استدرك بأن “الخسارة الكبيرة لحقت الأشجار تحديدا التفاح والليمون والخوخ”.

في انتظار “كشف الحساب”، تطلع المتحدث نفسه إلى “تقييم الخسائر، بعد جلاء الأزمة والكارثة التي كدرت الغرب كاملا، من قبل لجنة مختصة بالمتابعة”.

واشترط عفيفي أن “تكون التعويضات “محترمة”، وفي مستوى الخسائر المسجلة، لا أن تكون هزيلة في شكل شعير أو ذرة”.

نغادر ولاد احسين مخلفين وراءنا سلطات تسابق الزمن للإنقاذ، وساكنة تترقب وتؤمل؛ لكنها، وهي تستحضر إنذارات الأرصاد الجوية بتساقطات كثيفة ستهم إقليمي وزان وتاونات؛ حيث “تحرض مياه ورغة فيضان سبو”، لا تستبعد “الأسوأ” في ليلة مقبلة “أكثر إثارة للرعب”.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا