حل مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، أمس الإثنين بالجزائر، ضمن زيارة مغاربية قادته إلى كل من ليبيا وتونس، من أجل بحث أهم الملفات الإقليمية العالقة وتطورات ملف نزاع الصحراء المغربية.
وأعلنت السفارة الأمريكية في الجزائر عن زيارة ثانية يقوم بها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق أوسطية، مسعد بولس، منذ تعيينه عقب إعادة انتخاب دونالد ترامب، مؤكدة أن الزيارة تندرج في إطار تعزيز الشراكة الثنائية والعمل المشترك من أجل السلام والازدهار في المنطقة.
وفي هذا الإطار، كشفت وزارة الخارجية الجزائرية أن بولس أجرى مباحثات مع وزير الخارجية أحمد عطاف، بحضور سفير الجزائر لدى الولايات المتحدة صبري بوقادوم، تناولت مختلف جوانب العلاقات الجزائرية-الأمريكية وسبل تعزيز الحوار الاستراتيجي بين البلدين. كما تبادل الجانبان وجهات النظر بشأن أبرز القضايا الراهنة في العالم العربي والقارة الإفريقية، لا سيما نزاع الصحراء المغربية، إلى جانب تطورات الأوضاع في ليبيا ومنطقتي الساحل والصحراء.
وتعكس هذه الزيارة توجها متقدما داخل الإدارة الأمريكية نحو ممارسة مزيد من الضغط على الجزائر باعتبارها طرفا مباشرا في نزاع الصحراء، ودفعها إلى الاضطلاع بدورها المحوري وعدم التملص من مسؤوليتها السياسية والتاريخية في المساهمة في التوصل إلى حل نهائي لهذا النزاع، الذي يشكل جوهر الخلاف القائم بين الجارين كما يعد العائق الأساسي أمام قيام اتحاد مغاربي فعّال ومندمج.
كما يترجم الحضور الأمريكي المكثف في المنطقة، سعيها الحثيث إلى تحميل الجزائر مسؤولية مباشرة في إنجاح مسار التسوية السياسية، انسجاما مع قرارات مجلس الأمن الدولي والدعوات المتكررة لانخراط جميع الأطراف المعنية بشكل جدي وبناء.
وكان مسعد بولس قد أكد، في تصريحات سابقة، ثبات موقف الولايات المتحدة من ملف الصحراء، مشددا على أن “موقف واشنطن صريح جدا، ولا يتخلله أي شك أو أي لبس”، في إشارة إلى استمرار دعم الإدارة الأمريكية لحل سياسي واقعي ودائم، يقوم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الجاد والوحيد القابل للتطبيق، بما يُنهي نزاعا طال أمده وألقى بظلاله على الاستقرار الإقليمي وآفاق التكامل المغاربي.
تعليقا على خبايا زيارة المستشار الأمريكي للمنطقة، قال عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن المباحثات التي أجراها مسعد بولس مع المسؤولين الجزائريين تندرج ضمن السياق الطبيعي للعلاقات الدبلوماسية التي انتهجتها السياسة الخارجية الأمريكية مؤخرا في منطقة شمال إفريقيا، مبرزا أنه لا يمكن فصل هذه التحركات عن الموقف الأمريكي الثابت من قضية الصحراء والإقرار الصريح بمغربية الصحراء.
ويعزي المتحدث قوله إلى كون مستشار الرئيس الأمريكي سبق أن حدّد، في تصريحات سابقة، سقوفا واضحة للتفاهم مع الجزائر وضبط مسار العلاقات الجزائرية-الأمريكية انطلاقا من تسوية ملف الصحراء، باعتباره مدخلا أساسيا نحو الطي النهائي لهذا النزاع الإقليمي.
وعرج عبد الفتاح البلعمشي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على ذكر أن هذا التوجه الأمريكي تجلى بشكل واضح في قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي دفعت في اتجاهه الولايات المتحدة باعتبارها صاحبة القلم، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، “تطورا نوعيا وهاما في موقف واشنطن من نزاع الصحراء”.
وفي السياق ذاته، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض أن تداعيات هذا الموقف الأمريكي ستظل حاضرة بقوة ضمن أولويات المباحثات الجارية مع الجزائر، خاصة في ظل غياب التجاوب الكافي من الطرف الجزائري مع السقوف التي وضعتها الإدارة الأمريكية إلى حدود الساعة.
كما يستدرك المحلل أنه، ورغم ذلك، تمتلك واشنطن أوراقا وملفات متعددة للضغط، من شأنها دفع الجزائر نحو تفعيل المواقف الأمريكية المعلنة، مشددا على أن “مقاربة الولايات المتحدة لا تقتصر على ملف الصحراء فقط، بل تقوم على ربطه بملفات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية أوسع”.
وبنظرة استشرافية، يؤكد رئيس المركز المغربي أن هذه المؤشرات تعكس بوضوح أن العلاقات المغربية-الأمريكية تشهد تطورا متقدما، وأن الإدارة الأمريكية تضع تسوية نزاع الصحراء ضمن أولوياتها في هذه المرحلة، باعتبارها مدخلا أساسيا لتحقيق الاستقرار الإقليمي وإعادة إحياء مشروع التكامل المغاربي.
من جانبه، شدد محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، على أن زيارة مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الجزائر تؤكد على التحول الجذري في المقاربة الأمريكية تجاه نزاع الصحراء، يقوم على الانتقال من منطق “إدارة النزاع” إلى أفق “فرض الحل” تحت سقف الحكم الذاتي باعتباره الإطار الوحيد القابل للتنفيذ.
وأضاف ماء العينين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن واشنطن باتت تدرك أن قبول الجزائر بمبادرة الحكم الذاتي يُنظر إليه داخليا كهزيمة استراتيجية لمشروعها الإقليمي؛ وهو ما يجعل الإدارة الأمريكية تسعى إلى مرافقة الجزائر لتجاوز هذا المأزق، في انسجام مع منطق اليد الممدودة والاستقرار الإقليمي.
وسجل الباحث في خبايا النزاع، أن الطرح الجزائري يصطدم اليوم بصرامة المعايير المعتمدة في المقاربة المغربية-الأمريكية، خصوصا فيما يتعلق بتحديد المعنيين بالحكم الذاتي في ساكنة مخيمات تندوف، عبر حصرهم في المسجلين بإحصاء 1974 وقوائم الهوية؛ الشيء الذي يحرج الجزائر كدولة حاضنة ويكشف محدودية السرديات الديموغرافية التي تم الترويج لها لسنوات.
ونبه المتحدث ذاته إلى أن هذا المعطى من شأنه أن يفتح نقاشا أوسع حول الانتماءات الحقيقية لساكنة المخيمات، ويعيد إحياء الوعي بالروابط التاريخية والهوياتية للمجال الصحراوي، بما في ذلك المناطق الشرقية وتندوف.
وبخصوص لغة بيان الخارجية الجزائرية، أكد محمد الغيث أن الإشارة إلى “لقاء منفرد” بين وزير الخارجية الجزائري والمبعوث الأمريكي تحمل دلالات سياسية هامة، تعكس اعتماد واشنطن أسلوب دبلوماسية الكواليس في إدارة هذا الملف الحساس.
وشرح أن هذا الصمت الدبلوماسي، والاكتفاء بلغة عامة، يعكسان رغبة مشتركة في إحاطة المشاورات بالسرية، بما يسمح بمرافقة القيادة الجزائرية في تفكيك تورطها المباشر في النزاع، والانتقال التدريجي من موقع الإنكار إلى موقع تحمل المسؤولية.
وخلص المحلل السياسي إلى أن المبعوث الأمريكي يحمل خارطة طريق واضحة لا تترك هامشا كبيرا للمناورة، مفادها أن الانخراط في واقعية الحل المغربي لم يعد خيارا ظرفيا، بقدر ما يعتبر استحقاقا سياسيا وتاريخيا، في مقابل كلفة متزايدة للاستمرار في مأزق إقليمي بات يهدد توازنات الدولة الجزائرية نفسها.
المصدر:
هسبريس