انتقدت فرق المعارضة ونقابات مجلس المستشارين “مقاربة الحكومة لموضوع الرياضة وطريقة تدبيرها لهذا الملف بالتحديد”، موردة أن “ممارسة الجهاز التنفيذي تشوبها اختلالات واضحة، سواء على مستوى الرؤية الاستراتيجية أو الحكامة أو العناية بالأطر والكفاءات الوطنية، مما يعرقل تطوير القطاع ويحد من إمكانياته على الصعيد الوطني والمدرسي”.
وأضافت هذه الفرق والمجموعات والأعضاء غير المنتسبين، خلال الجلسة العامة للمساءلة الشهرية لرئيس الحكومة، التي تناولت موضوع “السياسة الحكومية في مجال الرياضة: الإنجازات والرهانات”، مساء الثلاثاء، أن “هناك منجزا تحقق في كرة القدم” في ظل “استمرار تحديات بنيوية ومجالية تتطلب تدخلا عاجلا لضمان نهوض الرياضة في مختلف جهات المملكة”.
سجل امبارك السباعي، رئيس الفريق الحركي بمجلس المستشارين، “ضعف السياسات العمومية في المجال الرياضي، في ظل هيكلة حكومية غيّبت قطاعا حكوميا قائما بذاته مكلفا بالرياضة، في زمن الاستحقاقات الكبرى قارّيا وعالميا”، و”ضعف الميزانيات المخصّصة للقطاع، وضبابية الأفق المهني للعاملين به بعد حشرهم في صيغة مديرية مهمّشة بوزارة التربية الوطنية”.
وأشار السباعي، أثناء تناول الكلمة باسم فريق حزب الحركة الشعبية، إلى “تغييب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم ربط الدعم العمومي بالنتائج في العديد من الجامعات الرياضية التي لا تحقق نتائج تُذكر، ما عدا الجامعة الوطنية لكرة القدم”، متطرقا إلى “غياب تدابير حكومية ملموسة لتفعيل أحكام الدستور في فصوله 28 و31 و33″، بالإضافة إلى “غياب أي مبادرة حكومية لتفعيل القانون رقم 30.09 المتعلّق بالتربية البدنية والرياضية وتحيينه”.
وذكّر القيادي في “حزب السنبلة” بأن “الفريق الحركي في البرلمان قدم مقترح قانون في الموضوع، غير أنه لا يزال حبيس الرفوف”، وختم بطرح سؤال حول “التفاوتات المجالية والترابية في برمجة المنشآت الرياضية والبنيات التحتية المواكبة لها”، وذلك “حتى لا تصبح السياسات الحكومية مصدرا لتعميق مغرب السرعتين، وحتى لا تكون الرياضة شجرة تخفي غابة الإخفاق الحكومي”.
أفاد عبد الإله السيبة، الذي تناول الكلمة باسم فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، بأن “الدينامية التي أصبحت تشهدها الرياضة الوطنية، والإنجازات الاستثنائية التي حققتها بلادنا على مستوى كرة القدم، وما أصبحت تنطوي عليه من رهانات جيو-سياسية واقتصادية كبرى، تحتم علينا إعطاء المزيد من الاهتمام لهذا القطاع”.
وأثنى السيبة على ما سماه “الإنجازات الرياضية المتميزة التي تحققت” بالنسبة للمملكة، وخاصة “خلال السنوات الثلاث الأخيرة”، والتي تميّزت، بحسبه، “بمجموعة من الإنجازات الرياضية، لا سيما الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني لكرة القدم باحتلاله الرتبة الثامنة دوليا في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خلال هذا الشهر، والمركز الرابع في كأس العالم قطر 2022”.
واعتبر المتحدث ذاته ذلك “إنجازا تاريخيا غير مسبوق على المستويين العربي والإفريقي”، مشيرا في هذا السياق أيضا إلى “الإنجاز الكبير للمنتخب المغربي للشباب بفوزه بكأس العالم لأقل من 20 سنة، وإحراز لقب بطولة ‘الشان’ للاعبين المحليين، والتتويج بلقب كأس العرب 2025، وغيرها من النجاحات الرياضية الأخرى”.
أكد السالك الموساوي، عضو الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، أن “أول ما يلفت الانتباه في السياسة الحكومية في مجال الرياضة هو غياب رؤية استراتيجية وطنية واضحة المعالم، رؤية تُحدد الأهداف، وتُرسم فيها الأدوار، ويُربط فيها الزمن بالنتائج”، موردا وجود “تشتت في المسؤوليات بين قطاعات متعددة، وضعف في التنسيق، وتداخل في الاختصاصات، مما يجعل من الصعب الحديث عن سياسة عمومية مندمجة”.
وقال السالك، في مداخلته، إن “الرياضة لا يمكن أن تنهض بمنطق التدبير المجزأ، ولا بسياسات ظرفية تُصاغ تحت ضغط الأحداث أو النتائج، بل تحتاج إلى تخطيط طويل النفس، وإلى وضوح في الاختيارات، وإلى إرادة سياسية تتجاوز منطق رد الفعل إلى منطق البناء”، معتبرا أن “الاختلال يزداد وضوحا حين نتأمل وضع الرياضة المدرسية، التي يفترض أن تكون القاعدة الصلبة لأي سياسة رياضية ناجحة”.
وذكر المتحدث أن “المدرسة العمومية، التي تُخرّج ملايين التلاميذ، لا تزال عاجزة عن لعب دورها الطبيعي في اكتشاف المواهب وصقلها وتأطيرها”، مبرزا أن “حصص التربية البدنية تُعامل في كثير من الأحيان كمجرد مواد ثانوية، والبنيات التحتية إما غائبة أو مهترئة، والأطر التربوية تعاني من ضعف الإمكانيات والتحفيز. فكيف ننتظر أبطال الغد ونحن لا نؤمن للطفل اليوم أبسط شروط الممارسة الرياضية داخل المدرسة؟”.
قال ميلود معصيد، عضو فريق الاتحاد المغربي للشغل بالغرفة البرلمانية الثانية، إن “الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في النجاح التنظيمي أو في بروز بعض الرياضات دون غيرها، بل في تثمين هذه القوة الكامنة وتحويلها إلى رافعة مستدامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، وذلك من خلال رؤية شمولية ومندمجة للقطاع الرياضي تشمل مختلف التخصصات والرياضات الفردية والجماعية”.
من هذا المنطلق، دعا معصيد إلى “جعل الرياضة، بمختلف فروعها، قطاعا منتجا لفرص الشغل اللائق، ومحفزا للاستثمار الرياضي الوطني والأجنبي، عبر تطوير الصناعات الرياضية والاقتصاد المرتبط بالرياضة، وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في هذا المجال”، مشددا على أهمية “دعم جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالشأن الرياضي، وتعزيز دورها ومبادراتها الهادفة إلى اكتشاف الطاقات والمواهب الرياضية في الأحياء الشعبية والقرى بمختلف جهات المملكة”.
وطالب المتحدث بـ”النهوض بباقي الرياضات، خاصة تلك التي راكم فيها المغرب تقاليد عريقة وإمكانات واعدة، من خلال دعم الجامعات الرياضية، وتوفير شروط الحكامة الجيدة، والاستثمار في التكوين والتأطير، وضمان عدالة توزيع الدعم العمومي بين مختلف الجامعات والتخصصات”، وكذا “توسيع قاعدة الممارسة الرياضية، لا سيما في صفوف الأطفال والشباب، عبر تعزيز الرياضة المدرسية والجامعية”.
أوضح خليهن الكرش، عن مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن “النجاح المحقق رياضيا في المغرب ظل محصورا في كرة القدم، ولم ينعكس بالشكل المطلوب على باقي الرياضات التي ما زالت تعاني من التهميش وضعف التقدير وهشاشة البنيات”، متسائلا “عن إنجازات بقية الجامعات الوطنية”، وتابع: “من بين الاختلالات البنيوية التي لا يمكن تجاهلها، أوضاع موظفات وموظفي الشباب والرياضة”.
وقال الكرش إن “الموظفين يشكّلون العمود الفقري لأي سياسة عمومية ناجحة”، مضيفا أنهم “يشتغلون في ظروف مهنية صعبة تتسم بضعف التحفيز، وغياب الإنصاف الوظيفي، وتجميد مساراتهم المهنية، إضافة إلى تضرر عدد منهم ماديا وإداريا جراء التغييرات المتكررة والهندسة الحكومية الحالية”، وزاد: “لا يمكن الحديث عن تطوير الرياضة الوطنية دون رد الاعتبار لهؤلاء العاملين”.
ونبه المستشار ذاته إلى ما وصفه بـ”الخلل” المتجلي في “غياب الاستقرار المؤسساتي”، موردا أنه “تعاقب على هذا القطاع 11 وزيرا منذ سنة 2008، بمعدل لا يتجاوز سنتين لكل وزير، وهو ما يجعل الحديث عن استراتيجية وطنية أمرا صعب التحقيق”، معبرا عن “رفضهم، كمنظمة نقابية، للهندسة الحكومية التي فصلت الرياضة عن الشباب وألحقتها بقطاع التربية الوطنية، لما لذلك من آثار سلبية على القطاع وموارده البشرية”.
دعت المستشارة لبنى علوي، عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الحكومة إلى “وضع استراتيجية وطنية شاملة لتطوير الرياضات الجماعية والفردية، مستلهمة من النموذج الناجح لكرة القدم”، وكذا “إعادة الاعتبار للرياضة المدرسية والجامعية ورياضة الأحياء باعتبارها مشتلا حقيقيا للأبطال”، بالإضافة إلى “تعزيز حكامة الجامعات الرياضية وربط الدعم العمومي بالمردودية والنتائج”.
وطالبت علوي الجهاز التنفيذي بـ”الاستثمار في التكوين والتأطير والبحث العلمي الرياضي، خاصة في ألعاب القوى”، مشددة على ضرورة “ضمان العدالة المجالية في توزيع البنيات والتجهيزات الرياضية”، لكون “التطور الذي عرفته كرة القدم المغربية يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب التراجع في رياضات أخرى كانت إلى وقت قريب مصدر فخر وطني، وعلى رأسها ألعاب القوى”.
وطرحت المستشارة عينها ما اعتبرتها “أسئلة جوهرية” حول “ضعف منظومة الكشف عن المواهب وتتبعها وهشاشة التكوين القاعدي في المدارس والأندية”، بالإضافة إلى “غياب الاستقرار داخل الجامعات الرياضية”، فضلا عن “محدودية الاستثمار في البحث العلمي والتأطير التقني والطبي”، مسجلة أن “المغرب اليوم يملك الإمكانيات البشرية والمؤسساتية ليكون قوة إقليمية وقارية، لا في كرة القدم فقط، بل في مختلف المجالات”.
المصدر:
هسبريس