آخر الأخبار

رأس السنة الأمازيغية.. كيف غير "الاعتراف الرسمي" نظرة الدولة والمجتمع إلى الهوية والتاريخ؟

شارك

شكل القرار الملكي التاريخي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، قبل نحو سنتين ونصف، منعطفا حاسما في مسار المصالحة مع الذات الوطنية وإعادة الاعتبار للمكون الهوياتي الأمازيغي، حيث أنهى هذا القرار عقودا من الترافع النضالي للحركة الأمازيغية وجعل يوم 14 يناير محطة سنوية قارة في الأجندة الوطنية، إلا أن مرور هذا الحيز الزمني يفرض وقفة تأملية لتقييم حصيلة هذا “الاعتراف الرسمي” وقياس مدى تغلغله في النسيج المجتمعي والإداري بعيدا عن لغة البيانات والبلاغات الرسمية.

ويطرح الوضع الراهن تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت بلادنا قد نجحت فعلا في الانتقال السلس من مرحلة “المطلب الحقوقي” الذي طبع خطاب الحركة الأمازيغية لعقود، إلى مرحلة “التملك المجتمعي والمؤسساتي” الطبيعي للاحتفال، إذ لا يزال الرهان قائما حول مدى قدرة المؤسسات العمومية والجماعات الترابية على استيعاب هذه المناسبة كجزء أصيل من الهوية المشتركة لجميع المغاربة، وليس مجرد استجابة بيروكراتية لقرار سياسي، وهو ما يقتضي رصد مظاهر هذا الاحتفال في الفضاء العام ومدى انخراط المواطن العادي فيه بعفوية وتلقائية.

وفي هذا السياق، أكد الناشط الأمازيغي والفاعل الحقوقي أحمد عصيد، في تصريح خص به جريدة “العمق”، أن التملك المجتمعي لرمزية رأس السنة الأمازيغية كان سابقا من الناحية الواقعية على خطوة الاعتراف الرسمي، حيث جاء هذا القرار لتتويج مسار طويل من الاحتفالات الشعبية التي تزايدت وتوسعت رقعتها لتشمل كافة مناطق المغرب بفضل الجهود الحثيثة للشبكات الجمعوية والجماعات المحلية والعائلات، مشددا على الدور المحوري الذي لعبته مؤسسات وطنية مثل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية “ليركام” الذي واظب منذ تأسيسه على الاحتفال بهذه المناسبة بشكل سنوي منتظم.

وأوضح عصيد أن أساليب الاحتفال شهدت تطورا ملحوظا، حيث انتقلت من أشكالها القروية التقليدية التي كانت تقام في البوادي والمدن العتيقة، إلى صيغ حديثة وعصرية يدبرها المجتمع المدني والمنتخبون، ومع تزايد اهتمام وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية انتشرت هذه الاحتفالات بشكل أكبر وخرجت من الفضاءات المغلقة إلى الشارع العام، كما هو الحال في الوقفات والأنشطة التي تنظم أمام البرلمان منذ 14 سنة، وهو الأمر الذي مهد بشكل كبير للاعتراف الرسمي الذي جاء كثمرة ونتيجة لدينامية اجتماعية قوية امتدت لعقود طويلة.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن الفاعلين الأمازيغ اعتبروا دائما أن هذه المناسبة تكتسي رمزية هوياتية قوية تسمح في الوقت نفسه بإشاعة الوعي بالانتماء إلى الأرض المغربية، مما أحدث نقلة نوعية في مفهوم الوطنية المغربية التي كانت مرتبطة في السابق بانتماء أجنبي موجه نحو الشرق الأوسط، مضيفا أن هذه الرمزية مكنت من الوعي بالعراقة التاريخية للمغرب الذي تمتد فيه الدولة والملكية إلى آلاف السنين، وذلك عوض “أسطورة 12 قرنا” التي عملت الحركة الوطنية والدولة على ترسيخها انطلاقا من مفهوم اختزالي للهوية يعتمد على العروبة والإسلام فقط، مما أدى لسنوات إلى تغييب الخصوصية المغربية المتفردة.

وكشف المصدر عينه أن هذا الاعتراف الرسمي قد جاء في ظل سياق تاريخي هام يطبعه رغبة الدولة في النهوض والإشعاع إقليميا وقاريا ودوليا، مما جعلها تغير نظرتها إلى التاريخ وإلى الهوية الرسمية، فبادرت بالاعتراف بكل المكونات سنة 2011، كما سمحت بتعميق الأبحاث الأركيولوجية في التاريخ العريق للمغرب مما أدى إلى اكتشافات مذهلة، ومكنت الدولة كذلك من القيام بإعادة قراءة للتاريخ الوطني من داخل المؤسسات الرسمية نفسها، مثل المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

ولفت الفاعل الحقوقي في ختام تصريحه لـ”العمق” إلى أن ما جعل المجتمع المغربي يحتضن هذه الاحتفالات هو طابعها البهيج والمنفتح والمليء بالدلالات الرمزية العميقة، مثل الارتباط بالأرض والحياة الفلاحية وحماية الموارد الطبيعية والشعور بامتداد تاريخ المغرب في عمق الزمن، مسجلا أن هذه الاحتفالات تتميز سنويا بالجمع بين التنشيط الثقافي والفكري والفني، حيث تقام الندوات واللقاءات الفكرية متجاورة مع الأمسيات الفنية والرقص الجماعي وارتداء الملابس التقليدية تعبيرا عن الفرح والهوية.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا