لم يعد خافيا على كثير من المغاربة أن إيجاد مسكن لائق للكراء وبثمن مقبول داخل المدن الكبرى بات أمرا معقّدا في ظل ارتفاع الطلب ووجود عوامل موضوعية مؤثرة في الرصيد العقاري المتوفر تتحكم في جودته وسومته أيضا.
ولا يتوقف كثير من الطلبة والموظفين والأجراء كذلك عن التساؤل بخصوص أسباب الصعوبة التي باتت تحيط بإيجاد دور أو شقق للإيواء، مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات، وهو ما يبرز بشكل أكبر على مستوى المدن الكبرى والمليونية، التي تعرف اليوم اختلالا في التوازن بين العرض والطلب.
وسبق لأديب بن إبراهيم، كاتب الدولة المكلّف بالإسكان في حكومة عزيز أخنوش، أن صرّح داخل البرلمان بالاشتغال على دراسة تروم تجاوز هذه المشاكل، عبر تشجيع القطاعين العام والخاص على الانخراط في توفير مساكن خصيصا للكراء.
ومن بين الأسباب التي تبرز في هذا الصدد، وفق مهنيين، وجود نسبة معينة من السوق العقارية خارج دائرة الاستغلال من قبل ملاكها (مهجورة وغير مستغلة)، إلى جانب النزوح نحو تحويل شقق ومنازل مصغّرة (ستوديو) إلى فضاءات للكراء اليومي لفائدة السياح عبر بوابة المنصات الرقمية، من قبيل “Airbnb”.
في هذا الصدد، أكد عبد المجيد العسري، وكيل عقاري بمدينة سلا، أن “سوق الكراء يشهد حاليا اختلالا واضحا بين العرض والطلب، حيث يُسجَّل ارتفاع كبير في الطلب على السكن مقابل محدودية ملحوظة في العرض، ما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في أثمنة الكراء وأثقل أيضا كاهل الأسر الباحثة عن مسكن لائق”.
وأوضح العسري، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الوضع تفاقم بفعل وجود عدد مهم من العمارات والشقق الجاهزة التي ما تزال مغلقة، رغم قابليتها للسكن”، مرجعا ذلك إلى “خلافات بين الورثة من جهة، وتخوّف بعض الملاك من التصريح بمداخيل الكراء وأداء الضرائب المرتبطة بها من جهة أخرى”.
وأفاد المتحدث بأن “أزمة الكراء لم تعد مسألة مهنية أو مرتبطة بسوق العقار فقط، بل تحولت إلى إشكال اجتماعي حقيقي”، مما يستدعي “تدخلا عاجلا من وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، باعتبارها الجهة الوصية على القطاع، من أجل بلورة حلول عملية ومستعجلة تضمن توفير عرض سكني كاف وتحمي حق المواطن في السكن”.
وأضاف الفاعل ذاته أن “من بين الأسباب الرئيسية التي تدفع عددا من الملاك إلى العزوف عن كراء شققهم، عدم التزام بعض المكترين بأداء واجبات الكراء داخل الآجال المحددة في العقود، وما يترتب عن ذلك من تعقيدات قانونية وصعوبات كبيرة في استرجاع الشقق أو المنازل في حال نشوب نزاعات”.
وأعرب المتحدث عن اعتقاده أن “هذا التخوف يُعد اليوم العامل الأول وراء إحجام الملاك عن طرح ممتلكاتهم في سوق الكراء، نظرا لما يصاحبه من معاناة طويلة مع المساطر والإجراءات، ما يساهم بشكل مباشر في تقليص العرض المتاح ويدفع بأثمنة الكراء إلى مزيد من الارتفاع”.
من سلا إلى مراكش حيث تحدّث عبد العالي، وكيل ومسيّر وكالة عقارية، عن “أزمة كراء صامتة تعرفها الوجهة السياحية الأولى بالمغرب”، موضحا أن “الطلب يتزايد على الكراء مقابل ضعف شديد في المعروض من الشقق، سواء تعلّق الأمر بالفئة البسيطة أو حتى المتوسطة منها”.
وذكر عبد العالي، في تصريح لهسبريس، أن “الخناق اشتد أكثر على المدينة بعد زلزال الحوز؛ إذ هاجر إليها عدد من المتضررين رغبة في الاستقرار بها”، كاشفا أن “معادلة السكن بالمدينة اليوم باتت محكومة بضعف العرض وارتفاع الأسعار بشكل أوتوماتيكي”.
وعلى غرار المدن السياحية الأخرى، سجّل الفاعل المهني ذاته أن “نسبة مهمة من العقارات والشقق السكنية المبنية بالمدينة باتت تُستعمل للكراء اليومي باستخدام المنصات الرقمية الجديدة، من قبيل Airbnb، عوضًا عن كرائها الشهري؛ الأمر الذي يزيد من صعوبة إيجاد عين سكنية صالحة للاستغلال وبثمن مقبول”.
كما لفت إلى أنه “كلما ارتفع عدد الشقق الجديدة المبنية، استمرت الوضعية نفسها، خصوصا إذا لم يتم التعامل بشكل صارم مع مجموعة من العوامل المذكورة والمؤثرة في السوق الوطنية ككل”، كاشفا أن “العقار بالمدينة سيعرف ضغوطا كبرى مع اقتراب موعد كأس العالم”.
المصدر:
هسبريس