في قصر “أعشيش” التابع إداريا لجماعة حصيا نواحي إقليم تنغير، تعيش للا زهرة المغاري وضعا إنسانيا يختصر مأساة “المغرب العميق”، حيث ترفع هذه الأرملة الستينية بصرها إلى السماء ويديها على قلبها، تراقب بقلق قطرات المطر المتساقطة على بيتها الطيني الآيل للسقوط الذي تعرّض لأضرار جسيمة منذ ما يقارب ثلاث سنوات.
هذا المسكن المتداعي، الذي أنهكته عوادي الزمن، انهارت مقاومته أمام قسوة التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة، بعدما أصبح سقفه الخشبي وجدرانه المتشققة غير قادرة على صدّ الخطر الذي يحدق بهذه الأم وأطفالها الخمسة في كل لحظة، ليغدو المأوى عبئا يوميا يختصر الخوف والترقّب، ويحوّل رغبتها في سكن لائق إلى حلم مؤجل حتى إشعار ٱخر.
بداية الحكاية
وبدأت فصول هذه المعاناة، وفقا لما كشفت عنه للا زهرة المغاري عندما قامت بتوجيه طلب إلى عامل إقليم تنغير، يفيد بكونها تسكن وأسرتها المتكونة من خمسة أفراد في منزل آيل للسقوط، يشكل خطرا كبيرا عليهم ويهدد حياتهم في كل وقت وحين، مؤكدة أنها طرقت جميع الأبواب من أجل مساعدتها، لكنها بقيت جميعها مسدودة في وجهها.
وأشارت المغاري في تصريح لجريدة “العمق”، أن هذا البيت تأثر كثيرا جراء الأمطار الغزيرة التي سقطت مؤخرا في المنطقة، مضيفة أنه بدلا من تقديم يد العون والمساعدة من أجل الحصول على مسكن لائق خرجت لجنة الجماعة الترابية سالفة الذكر بقرار الإفراغ، الذي أقبر حقها في الحصول على مسكن لائق يأويها هي وأسرتها ويحمي سلامة أرواحهم.
جواب العمالة.. “الإخلاء” و“الهدم” كحل وحيد
وأوضحت المتحدثة أن رد السلطات الإقليمية بتنغير جاء سريعا، لكنه لم يحمل معه غيمة أمل أو دعم ترميم، بل حمل قرارا إداريا صارما، يؤكد أنه سبق للجنة إقليمية بتاريخ 01 أكتوبر 2024 أن عاينت وضعية المنزل المذكور، وتبين لها أن هذه البناية تشكل خطرا عليهم وأفراد أسرتهم وعلى الجيران.
وأضافت المغاري أنه بناء على المعاينة، أصدر رئيس المجلس الجماعي لحصيا قرارا جماعيا يقضي بإغلاق وهدم هذه البناية، مع دعوة قاطنيها إلى إفراغها لما تشكله من خطر على سلامتهم، مبرزة أن هذا الجواب، رغم استناده إلى الحماية القانونية للأرواح، وضعها أمام واقع مرير، وهو ما دفعها إلى طرق أبواب ٱخرى.
الملف على طاولة وسيط المملكة
وفي هذا السياق، وضعت للا زهرة المغاري، شكاية رسمية على طاولة وسيط المملكة، تطالب فيها بالتدخل العاجل من أجل إنصافها ورفع ما وصفته بـ“الحيف والتمييز” الذي حرمها من إعادة بناء مسكنها الآيل للسقوط، ومن صفة ذوي الحقوق.
وحسب مضمون الشكاية التي تتوفر جريدة “العمق المغربي” على نسخة منها، فإن المعنية بالأمر، وهي أرملة المرحوم مجاهد عبد القادر، الذي وافته المنية بتاريخ 26 غشت 2022، تعيش رفقة خمسة أيتام، من بينهم طفل مريض وقاصران ما يزالان يتابعان دراستهما، في مسكن تقليدي مبني من التراب المدكوك وسقف من الخشب والقصب، تعرض لانهيار جزئي خطير.
وأكدت الأرملة أن وضعية المسكن تزداد سوءا مع كل تساقطات مطرية أو ثلجية، ما يضطرها وأطفالها إلى مغادرته مرارا خوفا من وقوع كارثة إنسانية، بشهادة الجيران وساكنة الدوار، مشيرة إلى أن حالتها الصحية بدورها تدهورت، خاصة بعد إصابتها بداء السكري، نتيجة الضغط النفسي والخوف المستمر.
وأوضحت المتحدثة أن بعض المحسنين أبدوا استعدادهم لإعادة بناء مسكن يحفظ كرامة الأسرة وسلامتها، غير أن هذا المسعى اصطدم بتعقيد المساطر الإدارية، رغم أن قصر أعشيش غير مشمول بأي تصميم تهيئة أو تصميم نمو، حيث يشترط عليها الحصول على صفة “ذوي الحقوق” من أجل الترخيص بالبناء.
وأضافت المشتكية أن الأسرة حرمت من هذه الصفة، رغم أن زوجها الراحل يعد من ساكنة القصر أبا عن جد، وهو ما تعتبره الأرملة “حرمانا غير مبرر”، مرجعة ذلك إلى “خلفيات انتقامية مرتبطة بالشأن الانتخابي، بسبب عدم الانصياع لتوجيهات تتعلق بالتصويت لفائدة جهة أو حزب معين”، وفق تعبيرها.
وطالبت الأرملة، عبر مراسلتها لوسيط المملكة، بالتدخل لدى الجهات المختصة على مستوى العمالة أو الجهة، من أجل تبسيط مسطرة إعادة بناء المسكن أو الترخيص بإقامة مسكن جديد بجواره، كما دعت إلى تمكينها وأيتامها من صفة ذوي الحقوق، باعتبارها حقا مشروعا يكفله القانون، أسوة بباقي ساكنة القصر.
متضروون ٱخرون ومعاناة مشتركة
معاناة للا زهرة المغاري ليست تجربة فردية، بل قاسم مشترك بين شريحة واسعة من سكان المنازل الطينية في عدد من المناطق القروية والجبلية بأقاليم جهة درعة تافيلالت، حيث تواجه هذه المساكن التقليدية الهشة كل تحديات الزمن.
وتتضاعف هذه التحديات مع تعقيد المساطر الإدارية، بعد أن تتحول الأمطار والثلوج إلى مشاهد صارخة، تعزف على وتر الخطر، لتجعل من الحياة اليومية هاجسا مستمرا بين حماية الأسرة والبحث عن حلول في أروقة الإدارات العمومية.
وترى فعاليات مدنية أن تعقيد المساطر الإدارية الخاصة بالبناء في جهة درعة تافيلالت، خصوصا بالمناطق الجبلية والقروية، يشكل عائقا كبيرا أمام تمكين السكان من حقهم الدستوري في السكن اللائق.
ولفتت هذه الفعاليات إلى أن الشروط القانونية الحالية لا تراعي الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية لهذه المناطق، مما يجعل الحصول على تراخيص البناء شبه مستحيل لغالبية الأسر، ويزيد من معاناتهم اليومية، سواء من الهجرة القسرية نحو المدن أو العيش في منازل طينية مهددة بالانهيار مع كل تساقط للأمطار أو الثلوج.
وفي هذا الصدد، كشف محمد وسرغين، نائب المنسق الوطني للائتلاف المدني من أجل الجبل وعضو مجلس جماعة أكديم بإقليم ميدلت، أن تعقيد المساطر الإدارية الخاصة بالبناء في جهة درعة تافيلالت، خصوصا بالمناطق الجبلية والقروية، يشكل عقبة كبيرة أمام تحقيق الحق الدستوري للسكن اللائق.
وأوضح وسرغين، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن الشروط القانونية الحالية لا تراعي الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية لهذه المناطق، مما يجعل الحصول على تراخيص البناء شبه مستحيل بالنسبة لغالبية السكان، خصوصا القاطنين بجهة درعة تافيلالت.
وأشار إلى أن هذه الوضعية تسببت في معاناة متعددة الأبعاد للسكان، من بينها الهجرة القسرية نحو المدن بحثا عن شروط عيش أكثر أمانا، بالإضافة إلى العيش في منازل طينية متهالكة مهددة بالانهيار، خصوصا مع تساقط الثلوج والأمطار الغزيرة، كما أن غياب الدعم التقني والمالي يفاقم الشعور بالإقصاء والتهميش لدى السكان.
وعن جهودهم لمعالجة هذا الملف، قال وسرغين إنهم يحرصون على دق ناقوس الخطر في كل مناسبة، سواء داخل المجالس المنتخبة أو عبر المرافعات المدنية، لكن معظم هذه التحركات قوبلت بما وصفه بسياسة “الآذان الصماء” وغياب الإرادة الحقيقية لإيجاد حلول عملية.
وأبرز المتحدث أن مطالبهم تتمثل في إعادة النظر في مساطر وشروط تراخيص البناء والإصلاح بالمناطق الجبلية، وتبسيط الإجراءات وتكييفها مع الواقع المحلي، والسماح باستخدام المواد المحلية والتقليدية في البناء، وتفعيل المساعدة التقنية المجانية، وإقرار دعم مباشر للسكان الراغبين في البناء والاستقرار بهذه المناطق.
وختم وسرغين تصريحه بالقول، إن الإصلاحات المطلوبة ليست ترفا، بل ضرورة ملحة لضمان الحق في السكن اللائق وتقوية صمود المجتمعات الجبلية أمام التحديات المناخية والاجتماعية، وذلك في إطار مقاربة تنموية عادلة تحافظ على كرامة الإنسان وتحد من النزوح والهجرة.
المصدر:
العمق