آخر الأخبار

4.6 مليار لـ"مؤثرين" وشركات فرنسية.. هل يُهدر مكتب السياحة المال العام في "الهواء الرقمي"؟

شارك

في الوقت الذي تواجه فيه المالية العمومية تحديات كبرى وتدعو فيه التوجيهات الرسمية إلى ترشيد النفقات، أقدم المكتب الوطني المغربي للسياحة (ONMT) على خطوة أثارت الكثير من الجدل وعلامات الاستفهام، بتوقيعه على صفقة “سخية” تتجاوز قيمتها 46 مليون درهم (4 مليارات و600 مليون سنتيم)، ذهبت في مجملها لتحالف تقوده وكالات فرنسية، مقابل خدمات تندرج تحت مسمى “الاستراتيجية الرقمية” و”صناعة المحتوى”.

ملايير مقابل “صور وفيديوهات»

تطرح هذه الصفقة الضخمة تساؤلات مشروعة حول معايير تحديد الميزانيات في المؤسسات العمومية، حيث تساءل متتبعون؛ هل يعقل أن يُرصد مبلغ فلكي يقارب 5 مليارات سنتيم لإنتاج “محتوى بصري” و”سرد قصصي” و”استقطاب مؤثرين”؟

الوثيقة الخاصة بالصفقة تتحدث عن “إنتاج محتوى مبتكر” و”إدارة منصات”، وهي مصطلحات فضفاضة يرى مراقبون أنها قد تكون غطاء لتبديد المال العام في حملات افتراضية يصعب قياس أثرها الاقتصادي المباشر على أرض الواقع، مقارنة بالاستثمار في البنية التحتية السياحية أو دعم المهنيين المحليين الذين يعانون من الأزمات المتتالية.

عقدة “الخبير الفرنسي”

ولعل النقطة الأكثر إثارة للاستغراب في هذه الصفقة هي استمرار الاعتماد على “الخبرة الفرنسية” لتسويق المنتوج المغربي. فالتحالف الفائز يضم وكالتي “Heaven” و”Hopscotch Tourism” الفرنسيتين، إلى جانب وكالة مغربية واحدة.

ويطرح هذا التوجه تساؤلا قديما متجددا؛ ألا تمتلك الكفاءات والوكالات المغربية القدرة على تسويق صورة بلادها؟ وهل يحتاج المغرب، بتراثه وهويته العريقة، إلى شركات أجنبية لتخبر العالم عن “التجارب الثقافية والطبيعية” للمملكة؟، حيث أجمع متتبعون على أن منح الجزء الأكبر من هذه الصفقة لشركات أجنبية يعتبر شكلا من أشكال نزيف العملة الصعبة وتكريسا لتبعيّة تسويقية غير مبررة.

“ريع” المؤثرين.. سياحة مجانية أم ترويج حقيقي؟

ترتكز الاستراتيجية الجديدة، بحسب ما أعلن عنه، على “استقطاب مؤثرين عالميين”. هذا البند بالتحديد يفتح الباب واسعا أمام انتقادات لاذعة؛ حيث تحول “التسويق عبر المؤثرين” في كثير من الأحيان إلى مجرد رحلات سياحية مدفوعة التكاليف من المال العام لأشخاص يكتفون بنشر صور عابرة، سرعان ما يختفي أثرها بانتهاء “الستوري”.

ويرى منتقدون أن الرهان على المؤثرين هو رهان “كسول” ومحفوف بالمخاطر، حيث لا توجد ضمانات حقيقية بأن متابعيهم سيتحولون إلى سياح ينفقون العملة الصعبة في المغرب، مما يجعل العائد على الاستثمار (ROI) في هذا الشق محط شك كبير.

استهداف أسواق حساسة ونتائج غير مضمونة

تشير الصفقة إلى استهداف 16 سوقا، من بينها إسرائيل، وهو توسع يصفه البعض بغير المدروس في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، مما يطرح تساؤلات حول جدوى ضخ ميزانيات ضخمة في أسواق قد لا تستجيب للحملات الدعائية في الوقت الراهن.

كما أن الحديث عن “السرد القصصي الغامر” الذي تغنى به مسؤولو الوكالات الفرنسية الفائزة، يبدو كلاما نظريا جميلا، لكنه لا يجيب عن السؤال الجوهري للمواطن المغربي؛ كيف ستتحول هذه الـ46 مليون درهم إلى وظائف، وإيرادات، وتنمية حقيقية؟

“عقلية جامدة”

شن محلل البيانات، يوسف سعود، هجوما لاذعا على طريقة تدبير المكتب الوطني المغربي للسياحة للمال العام، واصفا عقلية القائمين عليه بـ”الجامدة”، منتقدا بشدة استراتيجية “استجداء المؤثرين” بأموال المغاربة للترويج لأحداث تروج لنفسها بنفسها.

وفي تدوينة عبر صفحته على فيسبوك، اعتبر سعود أن استضافة المغرب لحدث قاري بحجم كأس أمم إفريقيا يعتبر في حد ذاته “أصلا تجاريا” قائما، ولا يحتاج لهدر الميزانيات على مؤثرين لاستقطابهم.

وأوضح قائلا: “المؤثرون هم من سيأتون ويصرفون أموالهم لأنهم بحاجة لمادة يبيعونها لجمهورهم، فلماذا نستدعي ‘مؤثرة عراقية’ ونمنحها الأموال؟ ماذا ربحنا من صرف أموال المغاربة في هذا الاتجاه؟”.

250 مليار دون أثر

وتساءل سعود عن مصير ومردودية الميزانيات الضخمة التي رُصدت للمكتب، مشيرا إلى رقم يقارب 250 مليار سنتيم مُنحت للمؤسسة منذ سنة 2023.

وأكد سعود أن المشكلة تكمن في غياب ثقافة “العائد على الاستثمار” (ROI)، مضيفا: “هل خرج المكتب يوما ليقول للمغاربة: ها كم نربح مقابل كل دولار نصرفه؟ وهل هذه الأموال استثمار حقيقي أم مجرد نفقات؟”.

وانتقد المتحدث غياب الشفافية ومنطق التعامل مع المال العام وكأنه “مال خاص”، مشددا على أن المسؤولين يجب أن يدركوا أن هذه الأموال “ليست أموال آبائهم”، وأن الحكامة تقتضي الامتناع عن صرف أي درهم إلا بوجود نتائج واضحة وممثلين حقيقيين للشعب يراقبون هذه النفقات.

غياب الشفافية

ولوضع الأصبع على مكمن الخلل، قارن سعود بين الوضع في المغرب ومدينة “ميرتل بيتش” الأمريكية الصغيرة، موضحا أن المجلس السياحي لهذه المدينة يقدم تقريرا سنويا دقيقا للسكان يوضح بالأرقام: “مقابل كل دولار أُخذ من ضرائبكم وصُرف في التسويق، عادت علينا كذا وكذا من الأرباح”، وهو ما يخلق جوا من الثقة والرقابة الشعبية.

وختم سعود تحليله بالتحذير من أن استمرار صرف الأموال “بالهبل” دون أن يعرف المواطن المغربي لمن تُعطى وكيف ولماذا، هو السبب الرئيسي وراء أزمة الثقة بين المغاربة ومؤسساتهم، وتراجع السمعة الداخلية للبلاد، معتبرا أن “السيبة” هي العنوان الأبرز لهذا النوع من التدبير.

الصورة: وزيرة السياحة فاطمة الزهراء عمور والمدير العام للمكتب الوطني للسياحة أشرف فائدة فايدة

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا