لم يمض وقت طويل على توقيع السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك في سبتمبر 2025، حتى أعلن وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حياة حراج أن الرياض وإسلام أباد وأنقرة أعدت مسوّدة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات استغرقت نحو عام.
وأوضح الوزير الباكستاني، الأسبوع الماضي، أن الاتفاق المحتمل بين الدول الثلاث منفصل عن الاتفاق الثنائي السعودي – الباكستاني.
وبدوره، أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ضرورة تعزيز التعاون والثقة الإقليميين، وذلك في معرض تعليقه على الاتفاق المحتمل.
وإذا ما قدّر للمسوّدة أن تتحوّل إلى اتفاق يحمل تواقيع الأطراف المعنية، فإن ثمة نقطتيْن أساسيتيْن تشغل المراقبين. الأولى تتعلّق بأهداف الدول الثلاث من ورائه. والثاني تتعلق مدى قدرة الترتيب المحتمل على فرص معادلات دفاعية جديدة في الشرق الأوسط خصوصاً.
تكمن أهمية الترتيب الدفاعي المحتمل في تركيبته الجيوسياسية الفريدة: السعودية مركز ثقل اقتصادي وسياسي ودينيّ في النظامين العربي والإسلامي، باكستان قوة نووية، وتركيا قوة عسكرية – صناعية تمتلك ثاني أكبر جيش في “الناتو”.
لذلك يمثّل “التحالف المحتمل” دولاً يبلغ عدد سكانها مئات الملايين وتمتلك قدرات ردع متنوعة وعمقا جغرافيا. كلّ ذلك يجعله مؤهلاً لإعادة رسم خرائط التوازن الإقليمي.
وتزداد أهمية هذا الترتيب، بنظر مراقبين، في ظل الصراعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمتد الحروب والصراعات المسلّحة من قطاع غزة إلى الصومال، مروراً بالسودان واليمن وليبيا وغيرها.
كما أن توتر العلاقات بين بعض دول الاتفاق المحتمل وخصومها، يزيد من حاجتها إلى حلفاء وتشكيل مظلة ردع قوية.
يرى الدكتور محمد صالح الحربي، الباحث في الدراسات الاستراتيجية والعلوم السياسية والعسكرية، أن مسودة الاتفاق الدفاعي، الجاري بحثها بين السعودية وباكستان وتركيا، مؤشر على تشكّل تعاون استراتيجي طويل المدى، فرضته طبيعة التهديدات المتزايدة في القرن الحادي والعشرين.
ويلفت الحربي، في حديث مع موقع “الحرة”، إلى أن الترتيب ما يزال يتسم بقدر محسوب من المرونة في ظل غياب ميثاق تحالفي متكامل ذات مؤسسات دائمة وآليات ملزمة، وهو ما يعكس، بنظره، “رغبة واضحة في إبقاء مستوى الالتزام قابلا للتدرج وإعادة الضبط. إننا أمام بداية تشكل بنية تحالف دفاعي لا تحالفا مغلقا ونهائيا”.
ويخلص إلى أن الترتيب الدفاعي المحتمل يعزز موقع السعودية كقطب أمني إقليمي، من دون أن يقوّض مفهوم الأمن الخليجي.
ومن جهته، يرى الكاتب والباحث السعودي أحمد إبراهيم أن التحالف الدفاعي المحتمل يعكس تحوّلاً جوهرياً في موقع المملكة داخل معادلات الأمن الإقليمي والدولي، إذ لم تعد الرياض تتحرك من منطلق طلب الحماية، بل من موقع الفاعل الذي يسهم في إنتاج الاستقرار وحمايته”.
ويشبّه إبراهيم “المسار الجديد” بعمارة أمنية جديدة يتم بناؤها في الشرق الأوسط، “تقودها السعودية في إطار انتقالها من سياسات رد الفعل إلى المبادرة الاستراتيجية”.
وفي ما يتعلق بالجهة المستهدفة من الترتيب المحتمل، يشدد إبراهيم على أن “العقيدة الأمنية السعودية الحديثة لا تنطلق من منطق صناعة الخصوم، بل من منطق سد الفراغات الاستراتيجية ومنع اختلال التوازنات”، موضحاً أن “التحالف، في جوهره، موجّه ضد حالة عدم الاستقرار أيّا كان مصدرها، ويعمل كأداة ردع شاملة لحماية ممرات الطاقة العالمية وأمن الملاحة ومنع فرض هيمنة أحادية على الإقليم”.
ويؤكد إبراهيم لموقع “الحرة” أن المنظومة الخليجية تبقى إطارا للتكامل المحلي، بينما يوفر التحالف الثلاثي عمقا استراتيجيا أشمل، ويخلص إلى أن “هذا الترتيب، في حال اكتماله، سيعمل ككابح للصراعات ويعيد حسابات التصعيد الإقليمي ويمنح السعودية استقلالية متقدمة في القرار العسكري والصناعي، كما يشكل حزام أمان لمصالحها ويوجه رسالة واضحة بأن موازين القوة في الإقليم تشهد تحولا بنيويا”.
المصدر:
الحرة