آخر الأخبار

كأس إفريقيا تكشف اختلالات في علاقات المغرب مع بعض الشركاء القاريين

شارك

لم يكن نجاح المغرب في تنظيم بطولة كأس إفريقيا للأمم مجرد حدث رياضي عابر، حسب مهتمين؛ بل تجربة كشفت الوجه الخفي لعلاقات المملكة مع عدد من الدول الإفريقية التي كانت دائما تُصنف ضمن دائرة الشراكة والصداقة. لقد أظهرت هذه البطولة بجلاء أن الكرم الذي أغدقه المغرب على عدد من الدول، في وقت كانت تعيش فيه أزمات وتمر بمراحل هشة، مهما كان كبيرا، لا يضمن دائما ولاء الشركاء التقليديين، خاصة أن بعض الأطراف لا تتوانى في اللعب على حبل الحسابات الانتقائية والمصالح الذاتية، ولو على حساب الروابط التاريخية والسياسية والاقتصادية.

مشاهد الفرح التي عبّر عنها أفارقة في عدد من شوارع المدن عقب خسارة المنتخب المغربي والحملات الإعلامية والسياسية الموجهة وكذا الاستفزازات التي صدرت على جهات آوى المغرب دولها وساعدها بمنطق التعاون الإفريقي والالتزام التاريخي لا بمنطق الربح السريع تستلزم، وفق متحدثين لهسبريس، من المملكة إعادة رسم خارطة تحالفاتها بعقلانية وبراغماتية وتمييز الصديق الحقيقي عن الشريك الظاهري، خاصة في ظل الحسم الأممي لملف الصحراء المغربية الذي رسم لسنوات مسار العلاقات المغربية الإفريقية.

ترتيب للأوراق

قال محمد عصام العروسي، المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، إن “المغرب نظم بطولة كأس إفريقيا للأمم تنظيما قويا ومحكما على جميع المستويات؛ لكن للأسف هناك مبالغة في إكرام الأفارقة مع وجود توازنات أساسية، باعتبار قدرية الانتماء الجغرافي والقضايا المشتركة وواجب الرباط ودورها الإقليمي في تنمية القارة وتأمينها أمنيا واقتصاديا. وفي اعتقادي، هذا الحجم من المسؤوليات التي تتحملها المملكة هو الذي يجعل الأفارقة يطمعون أكثر في هذا الكرم المغربي”.

وأضاف العروسي، في تصريح لهسبريس، أن “ما وقع مع السنغال كان مفاجأة مدوية، خاصة بالنسبة لبلد تربطه بالمغرب روابط مشتركة، دون الحديث عن خروج الجماهير في بعض الدول العربية كالجزائر ومصر للتشفي في خسارة المنتخب المغربي. فعلى الرغم من أن هذه الجماهير لا تمثل الشعوب، فإن الأمر يُسجل كسابقة في التاريخ العربي ويعد مسمارا أخيرا يُدق في نعش العروبة والقومية، فحتى الأنظمة في هذه الدول لم تكن تسمح بهكذا خروج لضرب بلد عربي لم يفز في مسابقة رياضية”.

وشدد المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط على أن “هذه التطورات تثير شكوكا حول نوايا مجموعة من الدول تجاه المغرب؛ وبالتالي حان الوقت لإعادة ترتيب الأوراق الدبلوماسية، لأنه كان هناك في السابق نوع من المهادنة مع العديد من الدول الإفريقية بسبب قضية الصحراء المغربية. أما اليوم، ومع قرار مجلس الأمن الأخير الذي حسم هذا الملف، يجب على المغرب أن يتحرى الصديق من العدو ويضع خارطة طريق واضحة في التعامل مع العديد من الدول الإفريقية”.

وسجل المتحدث ذاته أن “أول خطوة قد تتمثل في ضبط مسألة منح التأشيرات لمواطني دول القارة وتقييد دخولهم إلى المغرب الذي يمتلك مكانة تاريخية وحضارية مهمة. ويجب أيضا التخلي عن مساعدة بعض الدول الإفريقية التي استفادت من مساعدات ودعم مغربي اقتصادي وأمني؛ ومنها السنغال التي لم تحرك حكومتها ساكنا أمام ما وقع لمواطنين مغاربة من اعتداءات مشينة”.

وخلص المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط إلى أن “بعض الدول الإفريقية تتعامل بمنطق غريب ومتلون، حيث إن تنظيم بطولة كأس إفريقيا كشف في لحظة من التاريخ حقيقة مجموعة من هذه الدول التي كان المغرب يعتبرها صديقة”.

مؤامرات سياسية

أوضح أشرف بولمقوس، باحث في العلوم السياسية، أنه “لا بد أن ننطلق من مسلمة تكاد تكون علمية، وهي أن كرة القدم لم تعد مجرد رياضة؛ بل أصبحت فضاء متعدد الأبعاد سياسيا ودبلوماسيا. وفي أحيان كثيرة، تعد مدخلا ضروريا لفهم عدد من الأمور الأخرى. وبناء عليه، فإن ما شهده المغرب خلال تنظيمه لكأس إفريقيا للأمم، فقد تجاوزت فيه المنافسات الرياضية حدود الملعب؛ لتصبح مؤشرا على التحولات الجيوبوليتيكية وتوازن القوى الإقليمية والدولية، حيث يمكن أن تُستغل المباريات والأحداث الرياضية الكبرى كأداة للتأثير الإعلامي والسياسي، وأحيانا كستار لتصفية حسابات أو توجيه رسائل رمزية بين الدول”.

وأضاف بولمقوس، في تصريح لهسبريس، أن “المغرب كان محاطا بمجموعة من الألغام الإعلامية والمؤامرات السياسية، حيث يتضح أن نجاحه وتقدمه على الصعيدين الرياضي والدولي يزعج بعض الجهات الإقليمية بالأساس. وهذا يجعل من الضروري أن يكون المغرب أكثر يقظة تجاه تحركات خصومه المحتملين، وأن يدير ملفاته الأمنية والدبلوماسية بشكل استباقي، حتى على المستوى الرياضي والأحداث الرياضية”.

وبيّن الباحث في العلوم السياسية أن “تجربة التنظيم تكشف عن أهمية مراجعة التحالفات والشراكات على أسس استراتيجية طويلة المدى، وليس فقط على ضوء موقف من مباراة أو حدث رياضي محدد؛ فالأطراف التي تتخذ مواقف عدائية أو معادية اليوم لأسباب رمزية أو ظرفية قد لا تضمن عدم مفاجأة المغرب غدا في ملفات أكثر حساسية أو استراتيجية. وهذا يدفع إلى ضرورة تعزيز شبكة التحالفات القائمة على مصالح متبادلة وثقة سياسية مستدامة، لا على اعتبارات ظرفية أو تكتيكية قصيرة المدى”.

وشدد المصرح عينه على أن “الوضع الدولي الحالي للمغرب، بعد الحسم الأممي لقضية الصحراء، يعطي فرصة لإعادة ترتيب أولويات الدبلوماسية والسياسة الخارجية والاقتصاد في إفريقيا”.

وفي هذا الصدد، قال بولمقوس: “أصبح بإمكان المغرب، استنادا إلى توازنه الجديد في القوة والاعتراف الدولي المتزايد، أن يراجع بعض علاقاته الاستراتيجية، ويوازن بين مصالحه الوطنية والتزاماته الإقليمية، ويعزز موقعه كفاعل مؤثر في القارة، مع تبني مقاربة تجمع بين القوة الناعمة والصرامة عند الحاجة، أي سياسات واقعية مبنية على المصلحة الوطنية بالدرجة الأولى”.

دول غير مستقرة

شدد إدريس الكنبوري، باحث وروائي، على إن “الأفارقة يعرفون أن قضية الصحراء المغربية هي الذراع الذي يوجع المغاربة. لذلك، يحاولون دائما ليّها لإحداث المزيد من الوجع واستدراجهم. وقد تبيّن، أخيرا، أن بعض الأفارقة قلوبهم مع علي وسيوفهم مع معاوية”.

وأضاف الكنبوري، في منشور على حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أن “العلاقات المغربية الإفريقية في أمس الحاجة اليوم إلى إعادة نظر من موقع براغماتي، على أساس المصالح المغربية أولا وأخيرا”.

وتابع الباحث والروائي ذاته أن “المغرب بدأ التوجه نحو إفريقيا من أجل قضية الصحراء، وقدم الكثير للدول الإفريقية بكثير من الكرم والجود، وأنفق الأموال وحشد الاستثمارات والمساعدات السخية إيمانا بعمقه الإفريقي القاري، واجتهد المجتهدون في التأليف والتوليف حول العلاقات المغربية الإفريقية؛ لكنهم ظلوا يدورون حول التاريخ لأنهم لم يجدوا في الحاضر شيئا”.

وزاد الكنبوري قائلا: “في النهاية، قرر المغرب التوجه إلى أمريكا، وكان اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمبادرة الحكم الذاتي المغربية عام 2020 حاسما، إذ تغريدة واحدة لترامب غيّرت المعادلة التي لم ولن تغيرها 54 دولة في الاتحاد الإفريقي”، لافتا إلى أن “هذا يعني بكل بساطة أن رهاننا على القارة الإفريقية لم يكن في محله، والسبب هو أن الرهان على دول غير مستقرة سياسيا وعسكريا لا يمكن أن ينجح؛ لأن إفريقيا نفسها تراهن على أوروبا وأمريكا، وبدل المراهنة على من يراهن على غيره من الأفضل المراهنة على من يراهن الأفارقة عليه”.

وأبرز مؤلف روايات “زمن الخوف” و”الرجل الذي يتفقد الغيم” و”الكافرون” أن “أي مغربي شريف يحز في نفسه أن يرى بلده يتعرض للطعن من لدن من نسمّيهم الأشقاء. وقد تبين، من خلال ردود الفعل خلال كأس إفريقيا للأمم، أن حسابات المغرب الإفريقية فشلت أو في طريقها إلى الفشل؛ لأن المغرب أعطى أمواله دون أن يكسب قلوب الأفارقة”.

وبيّن إدريس الكنبوري أن “الاستثمار الوحيد الذي يجب أن يقوم به المغرب هو الاستثمار في المغاربة؛ لأنهم القبيلة الوحيدة التي تضع قلوبها وسيوفها مع المغرب، وترى أن علّيًا ومعاوية مغربيان، بدل تركهم مجرد جمهور يحتاج أيديهم فقط يوم يريد التصفيق. فالمغاربة هم اللاعبون الذين يشارك بهم المغرب في المباريات السياسية، كما يشارك بإحدى عشر لاعبا في المباريات الكروية، وإذا تعامل المغرب مع كل مواطن باعتباره لاعبا يحمل قميصا، فسوف يصبح الأفضل”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا