لنكن صرحاء ونسمي الأشياء بمسمياتها بعيداً عن لغة “الخسارة بشرف”: ما حدث في ليلة الأحد لم يكن هزيمة رياضية كلاسيكية، بل كان انهياراً تحت وطأة “هندسة نفسية” دقيقة مورست علينا لأسابيع. لقد خسرنا الكأس لأننا، وبكل بساطة، تعاملنا مع “الكان” كحدث رياضي تحكمه لوائح الفيفا، بينما تعامل معه خصومنا كساحة حرب تحكمها قواعد “تكسير العظام” والدعاية السوداء.
طوال شهر كامل، وُضع المغرب تحت مشرحة تشكيك ممنهج. السردية التي صاغها “الأشقاء” في الجوار وتبنتها منصات إعلامية كبرى كانت واضحة: “المغرب لا يفوز بجهده، بل بكواليسه”. هذه الدعاية المسمومة لم تكن تستهدف الجمهور فحسب، بل استهدفت اللاوعي الجمعي للاعبين والطاقم التقني. لقد نجحوا في تحويل “نقطة قوتنا” (التنظيم العالمي، والبنية التحتية، النفوذ القاري) إلى “نقطة ضعف” وعبء نفسي، أصبح معه اللاعب المغربي يشعر بأنه متهم عليه إثبات براءته قبل إثبات مهارته.
هنا يكمن الفشل “الذاتي” الحقيقي الذي يجب أن ننتقده بشجاعة الباحثين لا بعاطفة المشجعين. لقد سقطنا في فخ “استبطان التهمة”. المشهد السريالي لانسحاب السنغال، ثم عودتهم، ثم طريقة تنفيذ إبراهيم دياز لضربة الجزاء، كلها كانت نتاجاً لهذه الهشاشة النفسية. دياز لم يسدد الكرة ليسجل، بل سددها بذاكرة مشوشة تخشى عناوين الصحف في اليوم التالي: “المغرب يسرق الكأس بالتحكيم”. لقد انتصرت “الدعاية السوداء” حين جعلت لاعبنا يتردد في قبول حقه المشروع.
والأخطر من الهزيمة في الملعب، هو غياب “المناعة الإعلامية” خارجه. إعلامنا الوطني ظهر كـ”ثقب أسود”؛ غائب عن المعركة، عاجز عن تفكيك سرديات الخصوم، وتاركاً الرأي العام واللاعبين فريسة سهلة للإشاعات. والمدرب وليد الركراكي، الذي نحترمه، أثبت أن إدارة “الأزمات النفسية” والضغط الرهيب تختلف كلياً عن إدارة التكتيكات الفنية؛ فبدلاً من عزل لاعبيه وتحصينهم، انخرط في دوامة التوتر.
وهنا أستحضر “درس الماراكانا” البرازيلي بكل تفاصيله المرعبة، لا للسرد التاريخي، بل للتحذير من خطورة ما نفعله بأنفسنا. في صباح تلك المباراة المشؤومة عام 1950، لم ينتظر البرازيليون صافرة الحكم؛ بل خرجت صحيفة “أو موندو” بعنوان عريض وصورة للفريق كُتب تحتها: “هؤلاء هم أبطال العالم”. حتى أن عمدة “ريو دي جانيرو” خطب في اللاعبين قبل المباراة صارخاً: “أحييكم أيها المنتصرون!”، وتم صك الميداليات الذهبية بأسماء اللاعبين مسبقاً.
هذا “الانتصار الوهمي” هو الذي جعل السقوط قاتلاً، وحول الحارس “مواسير باربوزا” إلى ضحية تراجيدية يندى لها الجبين. لم يغفر له البرازيليون الهدف الذي دخل مرماه، فتحولت حياته إلى جحيم لا يطاق. لقد عاش منبوذاً لدرجة أنه في إحدى المرات، أشارت إليه سيدة في السوق وقالت لابنها بصوت مسموع: “انظر يا بني، هذا هو الرجل الذي أبكى البرازيل كلها”.
لقد لخص “باربوزا” مأساته في جملة هزت العالم قبل وفاته فقيراً وحيداً: “في البرازيل، أقصى عقوبة ينص عليها القانون هي السجن 30 عاماً، لكنني أدفع ثمن جريمة لم أرتكبها منذ 50 عاماً”. لقد حكم عليه شعبه بالمؤبد النفسي والنفي الاجتماعي بسبب مباراة كرة قدم!
هذا هو الخطر الذي يتربص بنا اليوم: أن نحول هذا الإحباط إلى جلد ذاتي مدمر، ونبحث عن “باربوزا مغربي” -سواء كان دياز أو الركراكي- نعلق عليه فشلنا في فهم طبيعة المعركة التي كانت أكبر من مجرد كرة قدم، ونحمله وزر أمة بأكملها.
الدرس القاسي الذي يجب أن نحمله معنا للمستقبل هو أن “السمعة الطيبة” و”التنظيم المبهر” لا يكفيان وحدهما في قارة ومحيط إقليمي يغلي بالتوترات. نحن بحاجة إلى “ذكاء استراتيجي” يحمي مكتسباتنا، وإلى إعلام شرس يصون سرديتنا الوطنية، وإلى تواضع يمنعنا من طباعة “عناوين النصر” قبل خوض المعركة.
لقد انقشع غبار “الكان”، وعلينا الآن توجيه البوصلة نحو ملاعبنا الحقيقية: التحديات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية في عالم متقلب لا يرحم الضعفاء. لنطوِ صفحة “الكرة” بمرارتها، ولنفتح ملفات “الوطن” بجدية.
المصدر:
العمق