في ظل التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة استعداداً لاحتضان التظاهرات الرياضية القارية والدولية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى جعل السلوك المدني داخل الفضاءات الرياضية معياراً أساسياً لنجاح هذه الاستحقاقات، إلى جانب جودة التنظيم والبنيات التحتية، مشددا على أن ضمان أجواء آمنة ودامجة داخل الملاعب لم يعد مجرد مسألة تنظيمية، بل أصبح رهاناً مجتمعياً مرتبطاً بصورة المغرب وإشعاعه الدولي وقدرته على استقطاب الجماهير، خاصة العائلات.
وفي هذا السياق، كشف رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر أعمارة، أن 65 في المائة من المشاركين في الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس حول اقتصاد الرياضة صرحوا بعدم حضورهم للتظاهرات الرياضية بسبب مظاهر العنف والشغب، معتبراً أن هذا المعطى يعكس بشكل واضح حجم التحدي المطروح على مستوى تأطير الجماهير وإعادة بناء الثقة في الفضاءات الرياضية.
وأكد أعمارة أن نجاح التظاهرات الرياضية لا يقاس فقط بجودة التنظيم، بل أيضاً بمدى ترسيخ سلوك مدني مسؤول داخل الملاعب وفي محيطها، مبرزاً أن المجلس يدعو إلى الانتقال من المقاربة الزجرية التقليدية في مواجهة الشغب إلى مقاربة شمولية ومندمجة تقوم على الوقاية والتحسيس وتقاسم المسؤولية بين مختلف الفاعلين، من سلطات عمومية ومنظمين وجماهير.
وأضاف أن هذا التحول بات ضرورياً في أفق الاستحقاقات الكبرى المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، حيث شدد المجلس على أهمية تأطير الجماهير وتعزيز قيم المواطنة الرياضية داخل الملاعب، بما يضمن حضوراً جماهيرياً واسعاً في أجواء آمنة وحماسية، ويعزز في الوقت نفسه صورة المغرب كبلد منفتح وآمن وجاذب لتنظيم كبرى التظاهرات الرياضية الدولية.
وفي السياق ذاته، أوضح رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن موضوع “تأطير الجماهير وترتيبات السلامة والأمن” يبرز ضمن أبرز الانشغالات التي عبّر عنها المواطنون في إطار الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس حول “الفرص التي يتعين استثمارها من احتضان المغرب لكأس العالم 2030”، حيث جاء هذا الانشغال مباشرة بعد الأولويات المرتبطة بالبنيات التحتية واللوجيستيكية والمرافق الصحية، ما يعكس، بحسبه، مركزية البعد الأمني والاجتماعي في نجاح الرهانات الرياضية الكبرى.
وأضاف أعمارة أن الرهان لا يتعلق فقط بتأمين الفضاءات الرياضية، بل ببناء ثقافة رياضية مواطِنة قائمة على الوقاية والتحسيس والمشاركة، بما يسمح بتجاوز الاقتصار على المقاربة الزجرية المعتمدة على تدخل القانون والقوات العمومية والقضاء في مواجهة مظاهر الشغب، نحو مقاربة شمولية ومندمجة تقوم على تقاسم المسؤولية بين مختلف المتدخلين، من سلطات عمومية ومنظمين ومؤسسات رياضية وجماهير.
وشدد على أن هذا التحول يهدف إلى الحد من السلوكات التي تمس بالنظام العام والأمن الجماعي داخل الملاعب ومحيطها، مع ضمان بيئة رياضية تسمح بحضور جماهيري واسع، وخاصة لفائدة العائلات، في أجواء آمنة وحماسية تعكس روح المواطنة والانتماء.
كما أبرز رئيس المجلس أن العروض الرياضية، التي تحتضنها الملاعب والمنشآت الرياضية، تمثل رافعة أساسية لتنمية اقتصاد الرياضة، من خلال ما تولده من دينامية اقتصادية مرتبطة بسلاسل التجهيزات والخدمات الموجهة للجماهير، وأنشطة التسويق والرعاية، وكذا التنشيط السياحي المرتبط بالتظاهرات الرياضية، مؤكداً أن هذه الدينامية تسهم في تعزيز إشعاع المملكة دولياً وتقوية جاذبية مختلف المجالات الترابية.
وأضاف أن هذه التظاهرات لا تقتصر على بعدها الاقتصادي فقط، بل تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً مهماً، عبر توفير فضاءات للتلاقي والتعبير الجماعي والانتماء المشترك، بما يعزز قيم التضامن والوحدة الوجدانية بين مختلف مكونات المجتمع، ويجعل من الرياضة أداة فعالة لتعزيز التماسك الاجتماعي.
وفي إطار تثمين الجهود المبذولة على مستوى إعداد البنيات التحتية الرياضية والتدابير التنظيمية المرتبطة بالتظاهرات الدولية المقبلة، أكد المجلس على ضرورة إرساء مواطنة رياضية مواكِبة تقوم على ثلاث ركائز أساسية، تتمثل أولاً في ترسيخ ثقافة المواطنة الرياضية عبر حملات وطنية للتحسيس وتعبئة وسائل الإعلام وتعزيز دور جمعيات المشجعين وإدماج هذه القيم في المدرسة ومؤسسات الشباب.
ويتمثل المحور الثاني في تأهيل المنشآت الرياضية وضمان سلامتها وانفتاحها، من خلال تحسين تدبير تدفقات الجماهير وتوفير شروط استقبال ملائمة للنساء والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة وتعزيز انسيابية التنظيم داخل الفضاءات الرياضية. أما المحور الثالث فيقوم على توظيف التكنولوجيات الحديثة في تدبير التظاهرات الرياضية، عبر تعميم الحلول الرقمية وتطوير أنظمة المراقبة واستثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم الأمن وتسهيل اتخاذ القرار.
واختتم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تأكيده على أن نجاح التظاهرات الرياضية لا يُقاس فقط بجودة التنظيم والبنيات التحتية، بل أيضاً بمدى قدرة هذه التظاهرات على ترسيخ سلوك مدني مسؤول داخل الفضاءات الرياضية، يعكس صورة بلد منفتح وآمن وجاذب، ويجعل من الرياضة رافعة حقيقية للتماسك الاجتماعي والإشعاع الدولي.
المصدر:
العمق