خلصت المائدة المستديرة الوزارية لليوم الثاني من أشغال الجمعية العامة الخامسة والأربعين لبنك التنمية الإفريقي للسكن “شيلتر-إفريقيا” (ShafDB)، المنعقدة بالرباط اليوم الأربعاء، إلى معادلة مثيرة تعكس “مفارقة عميقة” يرزح تحتها القطاع السكني في القارة: “إفريقيا ليست محرومة من السيولة المالية، وإنما تعاني شُحا حادا في المشاريع التي تستحق أن تُموَّل”، وفق نقاشات مستفيضة تابعتها هسبريس.
في كلمته الافتتاحية، كشف المدير العام لبنك التنمية الإفريقي للسكن “شيلتر-إفريقيا”، ثيرنو-حبيب هان، عن رقم صادم: تمتلك صناديق التقاعد وشركات التأمين الإفريقية ما يزيد على أربعة تريليونات دولار من رأس المال القابل للاستثمار سنويا، في حين يناهز العجز السكني في القارة خمسين مليون وحدة، ويتصاعد مع كل موجة من موجات التحضر المتسارع.
وأضاف هان بحضور مسؤولي وزارة الإسكان المغربية ونظرائهم الأفارقة: “بَيْدَ أن الفجوة الحقيقية لا تكمن في شُح التمويل، بل في ضآلة عدد المشاريع التي تحوز الجاهزية الاستثمارية الكاملة؛ إذ يعجز معظمها عن اجتياز عتبة قابلية التمويل لافتقاره إلى الدراسات التقنية والمالية المحكمة وآليات الحكامة اللازمة”.
سلط جيبسون مابفيدزا، مدير تطوير الأعمال في البنك، الضوء على تحديات بنيوية تعترض المطوّرين، لا سيما الصغار منهم الذين يشكلون الغالبية العظمى في القارة، شارحا أن “كثيرا من هؤلاء يقدمون نماذج مالية مبنية على تقديرات غير مدعومة بتصاميم فعلية، في حين تُهمَل الدراسات الجيو-تقنية وتُغفَل فحوصات الأراضي، مما يفضي إلى تقديرات تكلفة متذبذبة وجدوى تجارية مبهمة”.
وقال إن “أحد الأسباب الجوهرية لهذا الخلل، هو جمع المطور صفتَي المطوّر والمقاول في آنٍ واحد، مما يضاعف المخاطر ويُعقّد التقييم المالي”. وللتصدي لهذا الواقع، أعلن البنك عن “منشأة مشتركة لإعداد المشاريع توفر تمويلا بنسبة 12 بالمائة لمساعدة مطوري مشاريع عقارية على الاستعانة بمستشارين مرموقين وإعداد تصاميم متكاملة، “مع تسديد هذا الدعم لاحقا وليس منحة مجانية”.
في جلسة مخصصة للشهادات الميدانية، حضرت تجربة “المشروع الحضري الكبير” بالدار البيضاء الكبرى، على لسان نور الهدى الحمومي، مديرة التنمية المستدامة بشركة تهيئة زناتة (SAZ) التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، مبرزة كيف أسهمت معايير الاستدامة والشهادات الخضراء في تعزيز جاذبية المشروع وتحسين أدائه المناخي وتمكينه من الوصول إلى أسواق التمويل الدولية.
وأكد ممثل المعهد العالمي للنمو الأخضر (GGGI) في المغرب أن الشهادات، كـ “EDGE” و”LEED” و”BREEAM”، باتت شرطا موضوعيا لاستقطاب المستثمرين المؤسسيّين، منبها إلى “ضرورة ألّا تتحول هذه المعايير إلى عائق أمام “السكن ميسور التكلفة” في السياق الإفريقي.
في الجلسة الثالثة، شرَّح المتدخلون دور الحكومات والجماعات الترابية في خلق “بيئة تشريعية وتحفيزية ملائمة”.
وعرضت فاطنة شهاب، الكاتبة العامة للمجلس الوطني للإسكان بالمغرب، الدروس المستخلصة من برنامج “مدن بدون صفيح”، مستعرضة كيف أتاح توزيع الأدوار الواضح بين الدولة والجماعات الترابية إنجاز مشاريع على نطاق واسع.
أما ممثلة منظمة المدن والحكومات المحلية الإفريقية، نسرين بناني، فسَطّرت على “حيوية تعميم نماذج النجاح الحضري عبر الشبكة القارية”.
الجلسة الرابعة خَتمتِ النقاشات بالتعمق في أدوات التمويل الرامية إلى “جذب الرساميل الخاصة”. واستعرض محمد الإدريسي، من وزارة الاقتصاد والمالية المغربية، آليات الضمان والتمويل المدمج وإعادة التمويل بوصفها أدوات جوهرية لتخفيف المخاطر وتحفيز المستثمرين المؤسسيين.
وكشف بنك “شيلتر إفريقيا” عن توقيعه ثلاث اتفاقيات من شأنها “توليد ما يناهز مليار دولار في مسار مشاريع الإعداد”.
ورَفَعَت المائدة أشغالها بكلمة ختامية حددت الأولويات التنفيذية لاثني عشر شهرا المقبلة، مشددة على أن تحويل تحدي السكن الإفريقي إلى فرصة استثمارية يستلزم ربطا متكاملا بين إعداد المشاريع والشهادات والتمويل في آنٍ واحد لا بشكل متتابع.
وأسدل أمادو ثيام، المدير الإقليمي الأول لإفريقيا الشمالية والغربية والوسطى لدى “شيلتر-إفريقيا”، ستار نقاشات اليوم الثاني بتقرير مُركّز رصد أبرز الاستنتاجات العملية: أولوية بناء منظومة متكاملة للتحضير لمشاريع الإسكان تشمل إعداد الجدوى الفنية والمالية والتشهيد البيئي في آنٍ واحد لا بصورة تتابعية، والدعوة إلى تخصيص موارد حكومية صريحة لتمويل مرحلة ما قبل الاستثمار التي يهملها معظم الأطر المالية الوطنية.
وجاءت كلمة الختام لرئيس مجلس الإدارة، ليونيل زينسو، لتُلخص النقاش في ثلاثة توجهات: أولها مضاعفة حجم مسار مشاريع الإعداد عبر الاتفاقيات الثلاث الموقعة، ثانيها دفع الحكومات نحو بلورة خرائط طريق وطنية واضحة للشهادات الخضراء بحلول الجمعية العامة القادمة، وثالثها جعل “شيلتر إفريقيا” منصة استشارية وليس مصرفا للتمويل فحسب.
المصدر:
هسبريس