كشفت مجلة “جون أفريك” في تقرير مفصل عن مساعي غاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتفعيل الشق الاقتصادي لاتفاقيات أبراهام عبر توجيه استثمارات ضخمة نحو المغرب، وذلك في محاولة لتقديم عوائد ملموسة للسلام، في ظل استمرار التساؤلات حول مصير المليارات الموعودة منذ سنة 2020 والتي لم تجد طريقها بعد إلى شرايين الاقتصاد المغربي رغم المكاسب السياسية الهامة التي حققتها الرباط.
وأوضحت المجلة أن كوشنر، وخلال قمة “مبادرة مستقبل الاستثمار” التي احتضنها فندق فاينيا بمدينة ميامي أواخر شهر مارس الماضي، ناقش مع ريتشارد أتياس، رئيس هذه المنصة الممولة من طرف المملكة العربية السعودية، ملف غزة والفرص التجارية المرافقة للدبلوماسية، حيث أكد صهر ترامب أنه يبحث بمعية شريكه آشر أبيحصيرة ذي الأصول المغربية، عن فرص للاستثمار في المملكة لتوضيح ما جنته الدول الموقعة على الاتفاقيات.
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى غياب أي إعلان رسمي عن مشاريع أو مبالغ أو شركاء محليين حتى الآن، مبرزة أن كوشنر الذي ساهم في إقناع الرباط بإضفاء الطابع الرسمي على علاقاتها مع إسرائيل مقابل اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء، يواجه تحدي تبرير غياب المليارات الموعودة، حيث تم الإعلان في السابق عن آليتين ماليتين بقيمة ثلاثة ملايير دولار لكل منهما، أولهما “صندوق أبراهام” الذي توقف بعد هزيمة ترامب أواخر 2020 دون أن يعلن عن أي تمويل للمغرب.
وأكدت المعطيات المنشورة، بناء على تحديث قاعدة بيانات مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية بتاريخ 30 يونيو 2026، والمتعلقة بالآلية الثانية التي أعلن عنها كوشنر في الرباط يوم 22 دجنبر 2020، وجود التزامين نشطين فقط تمت الموافقة عليهما في المغرب، ويتعلق الأمر بقرض بقيمة 9.3 مليون دولار لتمويل مستودع تبريد في أولاد تايمة، ومساعدة بقيمة 4.72 مليون دولار لتغطية دراسات مصنع للبولي سيليكون، بإجمالي لا يتعدى 14.02 مليون دولار، فيما اختفت مساعدة أخرى بقيمة 3.5 مليون دولار مخصصة لصندوق شراكة كابيتال من المحفظة النشطة، رغم تأكيد المؤسسة الأمريكية للمجلة سعيها لتعزيز نشاطها في المملكة وتعيينها مستشارا استثماريا في الدار البيضاء.
وأضاف المنبر الإعلامي أن حجم التبادل التجاري للسلع بين المغرب وإسرائيل انتقل من 41.8 مليون دولار سنة 2021 إلى ما يقارب 240 مليون دولار سنة 2024، في حين تجاوزت المبادلات بين إسرائيل والإمارات حاجز 1.43 مليار دولار، مسجلا توقيع اتفاق في مجال تحلية المياه سنة 2022 بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب وشركة ميكوروت الإسرائيلية دون الإعلان عن مشاريع منبثقة عنه، بينما هيمنت الصفقات العسكرية بشكل لافت، حيث بلغت قيمتها حوالي 1.5 مليار دولار شملت نظام “باراك إم إكس” وقمر تجسس صناعي، مما يعني أن المبالغ الأكبر اتجهت نحو إسرائيل وليس العكس.
وتابعت المجلة رصد تحركات كوشنر بعد تعيينه من طرف ترامب في فبراير 2026 كمبعوث خاص للسلام، حيث شارك في مفاوضات غزة وعمل مع ستيف ويتكوف على توسيع نطاق الاتفاقيات مدعوما بشركته “أفينيتي بارتنرز” التي تدير أزيد من ستة ملايير دولار، مستفيدة من تمويلات ضخمة بلغت ملياري دولار من الصندوق السيادي السعودي، ومليار ونصف المليار دولار من جهاز قطر للاستثمار وشركة لونات بأبوظبي.
وأبرز التقرير ذاته وجود تداخل صريح بين المصالح التجارية والدبلوماسية، حيث يعتمد كوشنر في استثماراته على أموال نفس القوى الخليجية التي يفاوضها، مما يجعل أي استثمار مرتقب في المغرب امتدادا لمحور الرباط وأبوظبي، مشيرا إلى أن الشركة الأمريكية تستخدم خبرتها السياسية لاختراق أسواق جديدة، حيث كان المغرب الوجهة الوحيدة التي ذكرها كوشنر بالاسم خلال حديثه في ميامي حول بناء عروض مالية للدول المنخرطة في الاتفاقيات.
وسلطت المجلة الضوء على احتمال توجيه هذه الاستثمارات نحو مدينة الداخلة، مستحضرة زيارة كوشنر وإيفانكا ترامب للمدينة في يوليوز 2022 ثم في نونبر 2024، وهو ما تزامن مع خطوة المملكة في صيف 2026 بإطلاق اسم “الرئيس دونالد ج. ترامب” على الطريق السريع تيزنيت-الداخلة الممتد على طول 1055 كيلومترا والذي كلف إنجازه حوالي 10 ملايير درهم، كإشارة قوية نحو المدينة التي وعدت واشنطن بفتح قنصلية فيها.
وكشف المقال عن الدور المحوري لآشر أبيحصيرة، مؤسس شركة تدير التنمية العالمية لصالح مجموعة كوشنر، والذي يعمل معه منذ خمسة عشر عاما، مبرزا تورط الأخير في مشاريع سياحية مثيرة للجدل في ألبانيا خلفت احتجاجات عقارية وبيئية، ومحذرا في الوقت ذاته من إمكانية استنساخ هذه التجربة في الداخلة التي ينتظر أن تحتضن ميناء أطلسيا كبيرا وتتحول إلى قطب سياحي ولوجستي نحو غرب إفريقيا.
واعتبرت “جون أفريك” أن هامش المناورة التفاوضية للمغرب أصبح أضيق مما كان عليه في سنة 2020، بعدما قام بتطبيع علاقاته وحصل على الاعتراف الأمريكي بالسيادة، غير أنها نقلت عن وزارة الخارجية الأمريكية استمرار رهان واشنطن على الدور الإقليمي للمغرب كعامل استقرار في المنطقة، خاصة في ما يتعلق باتفاقيات أبراهام ومنطقة الساحل.
وأفادت تفاصيل التقرير بأن المغرب، بصفته عضوا مؤسسا لمجلس السلام، دفع ثلاثة ملايين دولار للمكتب المكلف بالإعداد لإدارة قطاع غزة، كما أصبح في 15 يوليوز أول بلد يوقع رسميا على اتفاقية المشاركة في قوة الاستقرار الدولية للمساهمة في إيصال المساعدات وتدريب الشرطة الفلسطينية، حيث من المرتقب أن تتولى شركة أركيل إنترناشيونال الأمريكية بناء مخيم مخصص لمائة وخمسين عسكريا مغربيا، مما قد يفتح الباب لاحقا أمام الشركات المغربية للمشاركة في جهود إعادة الإعمار.
وأردفت المصادر الإعلامية أن القنصلية الأمريكية في الداخلة تظل الهدف الرئيسي غير المكتمل في هذا المسار، فبعد افتتاح حضور افتراضي في دجنبر 2020، عاد الملف للواجهة مع عودة ترامب للسلطة، حيث ناقش وفد أمريكي في أكتوبر 2025 الخطوات الأولى للمشروع مع السلطات المحلية، وأكد مسعد بولس، مستشار الرئيس لإفريقيا، وجود استعدادات جارية، رغم امتناع وزارة الخارجية الأمريكية عن تأكيد أي مواعيد أو تفاصيل رسمية حتى الآن.
وخلصت المجلة إلى أن مستقبل هذه الدينامية يرتبط بشكل وثيق بنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، حيث أقر كوشنر بأن توسيع الاتفاقيات سيظل معلقا حتى ذلك الحين، مبرزة أن هزيمة بنيامين نتنياهو قد تسهل استئناف المحادثات مع السعودية وتقلل التكلفة السياسية للعلاقة مع إسرائيل بالنسبة للرباط أمام رأي عام مناصر للفلسطينيين، في حين أن فوز اليمين المتطرف سيبعد هذا السيناريو، رغم تأكيد التقرير أن العلاقات العسكرية والتجارية القائمة لم تعد مرتبطة ببقاء رئيس وزراء واحد في السلطة.
المصدر:
العمق