أكد رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة والقيادي في حزب “الاستقلال”، أن المغرب يواجه اليوم أزمات متلاحقة لا يمكن الاكتفاء إزاءها بتبرير التأخر في تنفيذ الالتزامات، بل يتعين البحث عن حلول عملية لها.
وشدد الوزير، خلال لقاء تواصلي نظمه الحزب مساء الجمعة في سيدي معروف بالدار البيضاء، على أن الاحتجاج بموجة الجفاف أو بتداعيات الحرب في أوكرانيا لتفسير التعثرات لم يعد كافياً، وأن أول قضية ينبغي التصدي لها هي ما وصفه بـ”أزمة الأخلاق والقيم”، في إشارة إلى تنامي ظواهر التحايل والانتهازية داخل المجتمع.
وأضاف الوزير أن المجتمع بحاجة إلى استعادة منظومة القيم والدفاع عن الأسرة المغربية التي بدأت، على حد تعبيره، تعرف تفككاً متزايداً بفعل تعدد الزيجات وارتفاع حالات الطلاق، وهو ما ينعكس سلباً على الأطفال الذين “لم يعودوا يعرفون أين يتجهون” في غياب إطار أسري متماسك.
وتطرق مزور إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، من “تيك توك” و”يوتيوب”، على الأجيال الصاعدة، محذراً من أن أشخاصاً مجهولين باتوا يوجهون الأبناء نحو انحرافات مختلفة في غياب ضوابط قيمية واضحة، وهو ما يستدعي، في نظره، تعزيز دور الحضانات والمدارس ومواكبة الآباء الذين يعانون بدورهم من ضغوط متزايدة.
وشدد على ضرورة تقوية ثقة المواطنين في المؤسسات، مشيراً إلى أن استغلال بعض المتنفذين للثغرات القانونية لتحقيق مكاسب غير مشروعة “يضر بالمصالح العامة”، وقال إن الأمر يستوجب تشديد النصوص القانونية عبر البرلمان المقبل لسد هذه الثغرات وتكريس تكافؤ الفرص، بما في ذلك في مجال الصفقات العمومية.
خطة “الدعم المشروط”
وانتقل الوزير إلى ملف القدرة الشرائية، معتبراً أن الدعم المباشر الذي قدمته الدولة، خصوصاً في مجال الغاز، لم يعد كافياً وحده لتمكين الأسر من تحمل أعباء المعيشة المتصاعدة، داعياً إلى ضبط السوق وتوجيه الإنتاج بما يخدم المستهلك المغربي أولاً.
وخاطب الفلاحين والمنتجين قائلا إن عليهم أن يدركوا أن “المغربي أولاً”، مستحضراً مثال البصل باعتباره مكوناً أساسياً في المائدة المغربية، وأشار إلى أن الدولة توفر الأرض والماء والبذور والدعم لفائدة الفلاحين، لكن بعض المستفيدين يعمدون إلى تصدير المنتجات أو رفع أسعارها بشكل مبالغ فيه رغم تلقيهم الدعم العمومي.
وفي هذا السياق، كشف مزور عما أسماه “الدعم المشروط”، موضحاً أن المقاربة الجديدة تقوم على منح إعفاءات ضريبية وجمركية للمستثمرين الفلاحيين مقابل الاتفاق المسبق على سقف للأسعار، رافضاً ما وصفه بمنطق الاستفادة من الدعم العمومي مع الاحتفاظ بهامش ربح مبالغ فيه يصل إلى مضاعفة السعر الأصلي ثلاث مرات أو أكثر.
وقال إنه لا مانع من تحقيق ربح مشروع يتراوح بين 10 و15 في المائة، لكن مضاعفة السعر ثلاث مرات “أمر غير معقول”، مؤكداً أن الهدف الأساسي من هذه السياسة هو الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين وليس مجرد رفع الأرقام الاقتصادية الكلية.
واقع المرافق العمومية
وتناول الوزير أيضاً واقع المرافق العمومية، وخص بالذكر قطاع الصحة، معتبراً أن الدولة استثمرت في البنية التحتية الصحية وفي تكوين الأطباء والممرضين، غير أن المواطن حين يمرض “يجد نفسه تائهاً” رغم توفره أحياناً على تأمين صحي، بسبب غياب التوجيه الكافي داخل المنظومة الاستشفائية.
وأوضح أن أول إجراء عملي يقترحه حزبه هو إحداث وكالة وطنية للمستعجلات على غرار خدمة الطوارئ “911”، بحيث يتصل المواطن برقم موحد فتتكفل به سيارة إسعاف متخصصة دون أن يضطر إلى البحث عن معارف داخل المستشفيات لضمان تكفل لائق به. وقال إن هذا النموذج معمول به في دول أخرى، وإن الهدف هو أن يشعر المواطن بأن هناك من يتكفل به فعلياً بدل أن يبقى “حائراً بين هذا وذاك”.
وفيما يخص التعليم، أقر مزور بتسجيل تراجع في مؤشرات المستوى الدراسي لتلاميذ الإعدادي، لكنه دعا إلى عدم القلق من هذا التراجع لأن نسبة الشباب المنحدرين من فئات هشة الذين التحقوا بالتعليم الإعدادي ارتفعت بنسبة 30 في المائة مقارنة بالسابق، وهو ما يفسر جزئياً تراجع المعدلات العامة.
وأضاف أن تجربة التعليم الابتدائي الجديدة لم تصل بعد إلى مرحلة التقييم الكامل، معرباً عن ثقته في أن تتحسن النتائج مستقبلاً، مؤكداً أن الهدف هو أن تصبح المدرسة العمومية خياراً يفتخر به كل ولي أمر لأبنائه بدل اعتبارها حلاً أخيراً.
واستشهد بمعطيات رقمية حول مدارس الريادة، موضحاً أنها رفعت نسبة التلاميذ المستوعبين للتعلمات الأساسية من نحو 10 تلاميذ من أصل 30 إلى ما بين 20 و22 من أصل 30، معتبراً ذلك مؤشراً إيجابياً رغم استمرار وجود تفاوتات بين المدارس.
أشكال أخرى من السيادة
وانتقل مزور إلى محور السيادة، مؤكداً أن حزب الاستقلال، الذي ناضل مؤسسوه من أجل السيادة السياسية للبلاد، بات اليوم مطالباً بالدفاع عن أشكال أخرى من السيادة تشمل السيادة المائية والغذائية والطاقية.
وقال إن المغرب عرف فترات جفاف متتالية استمرت سنوات، وإن التغيرات المناخية تفرض الاستعداد المسبق لضمان الأمن المائي، مشيراً إلى أن البلاد تتوفر على إمكانيات في الطاقات المتجددة تسمح بتحلية مياه البحر وتحقيق تزويد كامل بالماء الصالح للشرب، إضافة إلى تغطية 80 في المائة من الحاجيات المائية للفلاحة، عبر تعزيز التضامن بين الأحواض المائية بحيث تُوجَّه المياه من السدود التي تعرف فائضاً نحو المناطق الأخرى الأكثر احتياجاً.
أما بخصوص السيادة الغذائية، فأوضح مزور أن الأولوية يجب أن تكون لتلبية حاجيات الأسرة المغربية من المواد الأساسية كالبصل والبطاطا قبل التفكير في التصدير، معتبراً أن امتلاك القدرة على تأمين الغذاء الأساسي للمواطنين، بصرف النظر عن التقلبات المناخية، يمثل جوهر السيادة الغذائية الحقيقية.
وفي ما يتعلق بالطاقة، تحدث عن التقلبات المتكررة في أسعار المحروقات، مشيراً إلى أن سعر الغازوال أو البنزين يتغير كل خمسة عشر يوماً بشكل يؤثر على تكلفة مختلف السلع، بما فيها البصل، بسبب ارتفاع كلفة النقل، داعياً إلى استغلال الإمكانيات المتاحة في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين لتقليص الاعتماد على المحروقات المستوردة وحماية جيوب المغاربة من الأزمات الدولية المتلاحقة، سواء كانت متعلقة بإيران أو أوكرانيا أو غيرهما.
وفي ختام كلمته، أكد رياض مزور أن برنامج حزب “الاستقلال” موجه بالأساس إلى فئة الشباب، الذين يعانون من محدودية الفرص المتاحة لهم رغم امتلاكهم للكفاءات، مستحضراً الأحداث التي عرفتها بعض المناطق مؤخراً كمؤشر على حالة الإحباط لدى بعض الفئات الشابة، في وقت يشهد فيه المغرب تطوراً صناعياً لافتاً في قطاعات كصناعة محركات الطائرات والسيارات.
وتساءل مزور عن جدوى هذا التقدم الصناعي إن لم يستفد منه أبناء المغاربة أنفسهم قائلاً إن الحل الذي يطرحه حزبه يقوم على مواكبة كل شاب في مشروعه الخاص.
المصدر:
لكم