آخر الأخبار

سلسلة مغرب الحضارة.. عندما يتحدث مجلس دستوري مستقل من أجل المغرب الذي نريده جميعاً

شارك

الكاتب عزيز رباح
بتاريخ الأحد 9 غشت 2026

المصدر ليس تدوينة ولا مقال رأي ولا ترافع حزبي ولا مذكرة نقابية ولا محاضرة ولا تقرير قريب من ذلك. بل هو تقرير سنوي رسمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2025 وصدر بداية هذا الشهر، غشت 2026.

وقد لوحظ أنه انطلاقاً من الخطاب الملكي السامي لعيد العرش للسنة الماضية، الذي أكد الطموح في بناء مغرب صاعد بسرعة موحدة وبتنمية عادلة تشمل كل الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية، توالت التقارير الرسمية الوطنية، خاصة من الهيئات الدستورية المستقلة. وكان آخرها هذا التقرير الجديد الذي يتقاطع مع تقارير أخرى صادرة عن بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط وغيرهما.

لقد شكّل هذا التقرير وثيقة تشخيصية رصينة تضع صانع القرار أمام مرآة الواقع بكل تجرد، من أجل تعديل المسار التنموي لبلادنا.

فقد بيّن أن المؤشرات الكلية للاقتصاد الوطني تسجل تطوراً إيجابياً من حيث صموده ونموه، إلا أن الواقع المعيشي للأسر المغربية يفرض قراءة نقدية ومسؤولة تتجاوز لغة الأرقام، ولا سيما أمام التراكمات القياسية لتكلفة المعيشة التي خلقت هوة واضحة بين الدينامية الماكرو-اقتصادية والعدالة الاجتماعية.

أولاً: قراءة في المؤشرات الاجتماعية:

يُقدّم تقرير سنة 2025 صورة مركبة؛ فمن جهة، تبرز لغة الأرقام تحسناً ملحوظاً في معدل النمو ليبلغ 4.9% مقارنة بـ 4.4% سنة 2024، موازاةً مع تباطؤ في وتيرة التضخم الظرفي ليستقر في حدود 0.8 إلى 0.9%. غير أن تباطؤ التضخم لا يعني تراجع الأسعار، بل هو مجرد انخفاض في سرعة ارتفاعها. وهو ما تؤكده الزيادة التراكمية في المستوى العام للأسعار التي تجاوزت 15% منذ سنة 2021.

وعلى صعيد الأمن الغذائي والقدرة الشرائية، شكّلت مواد الاستهلاك الأساسية العبء الأثقل على ميزانية المواطن، مسجلةً ارتفاعاً تاريخياً بلغ نحو 27% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمات.

أما في سوق الشغل، فالأرقام تطرح تحديات بنيوية لا تقبل التأجيل؛ إذ ظل معدل البطالة في مستويات مقلقة تبلغ 13% (الرقم الجديد لسنة 2026 هو 9.2% عامةً و27.2% في صفوف الشباب ما بين 15 و24 سنة)، مترافقةً مع تعقيدات الولوج إلى الشغل، حيث يبلغ متوسط البحث عنه نحو 33 شهراً، ناهيك عن هشاشة التشغيل، حيث إن 46% من الأجراء خارج أي إطار تعاقدي قانوني مكتوب.

وتنذر هذه المؤشرات بأخطر الظواهر المقلقة:

* تمركز الثروة لدى فئة قليلة وغياب التوزيع العادل لها، ومن هذه الفئة من لا يستثمر في القيمة المضافة الاقتصادية والاجتماعية إلا قليلاً.
* إضعاف الطبقة المتوسطة التي تمثل صمام أمان الاستقرار المجتمعي، والأساس الإداري للدولة Techno-Structure، والقاعدة الواسعة للاقتصاد. وقد يؤدي ذلك إلى انزلاق بعضها إلى الهشاشة.
* توسيع شريحة الفئات الهشة التي يناهز عددها أربعة ملايين مواطن، ممن باتوا مهددين بالانزلاق نحو الفقر إذا ما استمر الأمر على ما هو عليه.

ثانياً: مداخل الإصلاح الهيكلي والتوصيات الاستراتيجية:

بعد عرض أهم المؤشرات، عرض التقرير جملة من الإصلاحات/التوصيات الموجهة للوزارات والمؤسسات ذات الصلة، وخاصة في القطاعات البارزة كالداخلية والمالية والتجارة والصناعة والفلاحة والشغل والتكوين المهني، ويمكن إجمالها في المحاور الاستراتيجية التالية.

المحور الأول: إصلاح مسالك التوزيع والأسواق ومحاربة الريع

* تحديث قنوات التوزيع وأسواق الجملة: الشروع الحازم في إصلاح هيكلي لشبكات التوزيع وأسواق الجملة لتقليص الهوة الشاسعة بين سعر الإنتاج وسعر البيع النهائي للمستهلك.
* التصدي للمضاربة والوساطة المفرطة: تفكيك شبكات الوساطة غير المشروعة التي تعيث فساداً في سلاسل التوريد وتُضخم الأسعار بلا مبرر اقتصادي.
* محاربة الريع والاحتكار: تفعيل صارم لصلاحيات مجلس المنافسة وهيئات الضبط لضمان شفافية الأسواق والقطع النهائي مع كل الممارسات الاحتكارية.

المحور الثاني: تعزيز الأمن الاستراتيجي والتخزين:

* تحيين الإطار القانوني للمخزون الاستراتيجي: مراجعة الترسانة المؤسساتية المنظمة للمخزون الاستراتيجي في المواد الحيوية الغذائية والطاقية.
* توسيع القدرات اللوجستية والتخزينية: تطوير البنيات التحتية للتخزين كخيار سيادي يضمن استمرارية التموين الوطني أمام الصدمات والتقلبات الجيوسياسية والدولية.
* إحداث آليات التنسيق: إرساء إطار مؤسساتي متكامل لليقظة وتتبع سلاسل التوريد لضمان الأمن الاستراتيجي للبلاد.

المحور الثالث: إصلاح سوق الشغل وتحسين جودة الإدماج:

* الارتقاء بجودة مناصب الشغل: مغادرة مربع التشغيل الكمي البحت نحو إرساء أسس الشغل اللائق والمستقر، وتقليص نسبة العمل غير المهيكل والهش.
* ردم هوة المهارات: معالجة الفجوة المزمنة بين مخرجات منظومة التربية والتكوين وبين الاحتياجات الفعلية للنسيج الإنتاجي، بما يختصر فترات البطالة الطويلة للشباب.

المحور الرابع: حماية القدرة الشرائية والسياسات الاجتماعية

* رفع نجاعة الدعم العمومي: تحسين حكامة استهداف برامج الدعم الاجتماعي المباشر لضمان وصوله بفعالية للمستحقين الحقيقيين من الفئات الهشة والمتوسطة.
* ربط الاستثمار بالقيمة المضافة المحلية: اشتراط نسب إدماج عالية في مشاريع الاستثمار الكبرى، الوطنية والأجنبية، لضمان خلق مناصب شغل مؤهلة ومستدامة تسهم في التنمية المجالية.
* وختاماً، يمكن الجزم بأن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2025 يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التردد.

فالرهان التنموي لبلادنا اليوم يقتضي منا الحزم والجرأة، لأن المغرب الصاعد لا يمكنه بحال من الأحوال أن يستمر بسرعتين: سرعة الأرقام الكلية والدينامية الاستثمارية، وسرعة الواقع الاجتماعي المعيش الذي يثقله الغلاء وتآكل القدرة الشرائية.

إن استمرار التناقض بين “الاقتصادي” و”الاجتماعي” والتأخير في معالجة الاختلالات لا يهدد التوازن الاقتصادي فحسب، بل يغامر بفقدان ثقة المواطن في كل المقولات: الدولة الاجتماعية، والدولة الراعية، والتنمية المستدامة، ويفرغ النموذج التنموي الجديد، الذي أكد بحزم على محورية الإنسان، من معناه الجوهري.

إن تفعيل هذه التوصيات ومواجهة الغلاء والريع ليست مجرد خيارات تقنية، بل هي التزام وطني وأخلاقي لضمان ألا يتحول النمو إلى أرقام صماء، بل إلى عدالة اجتماعية ومجالية تضمن لكل مواطن عيشه الكريم ومستقبله الآمن، وفي ذلك صمام الأمان لأمن الوطن واستقراره وتعزيز صعوده.

إننا نحتاج إلى الوطنية الصادقة، الراسخة في النزاهة والجدية، أكثر من أي وقت مضى.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا