في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم ينتظر سكان سبتة المغاربة وصول التعليمات أو اكتمال الإجراءات الرسمية حتى يتحركوا أمام مشهد غير مألوف عاشته المدينة خلال الساعات الأولى التي أعقبت موجة الدخول الجماعي للمهاجرين يومي 30 و31 يوليوز.
فبينما كانت السلطات تحاول استيعاب واحدة من أكثر الأزمات الحدودية تعقيدا التي عرفتها المدينة، كان مواطنون مغاربة ينزلون إلى الشارع، يفتحون بيوتهم ومستودعاتهم ومرافقهم، ويجمعون ما استطاعوا من إمكانات، في محاولة لاحتواء تداعيات موجة بشرية هائلة وجد فيها الآلاف أنفسهم فجأة في مدينة لم تكن مستعدة لاستقبال هذا العدد.
في رواية سكان مغاربة في سبتة، لم يكن الدافع في البداية سياسيا ولا مرتبطا بموقف من الهجرة، وإنما كان أقرب إلى رد فعل إنساني أمام أشخاص وجدوا أنفسهم في وضع بالغ الهشاشة، بينهم قاصرون ونساء وفتيات وأشخاص لا يعرفون المدينة ولا يملكون في كثير من الحالات مكانا ينامون فيه أو ما يسدون به جوعهم.
يقول مصطفى محمد عبد السلام، نائب رئيس جمعية الهلال الأبيض بسبتة، إن السكان المغاربة “تحركوا بسرعة” بعدما أدركوا حجم ما وقع، مؤكدا أن المشهد في الساعات الأولى كان صادما حتى بالنسبة إليهم، وأن الخوف من وقوع كارثة أكبر كان حاضرا بقوة.
مبادرات فردية وتعبئة جماعية
ما بدأ بمبادرات متفرقة سرعان ما اتخذ شكلا جماعي، فالسكان المغاربة في عدد من أحياء سبتة لم يكتفوا بتقديم الطعام، بل انخرطوا في البحث عن أماكن لإيواء الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والفتيات والقاصرون.
وبحسب ما عاينته “العمق”، فقد تحولت بعض الفضاءات المحلية إلى نقاط لتقديم المساعدة، فيما تولى متطوعون تنظيم حركة المهاجرين ومحاولة توجيههم نحو الأماكن التي يمكن أن يحصلوا فيها على الغذاء أو المساعدة.
وتبرز هذه المبادرات حجم الدور الذي لعبه مغاربة سبتة في الساعات والأيام الأولى للأزمة، في وقت كانت فيه المؤسسات الرسمية أمام تحد هائل يتعلق بإحصاء الوافدين، وتحديد أماكن وجودهم، وتأمين الرعاية الأساسية لهم، ثم إعادة إدماجهم في مسارات الاستقبال القانونية.
يقول عبد السلام إن السكان المغاربة في المدينة “تكفلوا بأموالهم وجهدهم وطاقتهم” بجزء كبير من احتياجات المهاجرين، معتبرا أن ما دفعهم إلى ذلك هو الشعور بأن هؤلاء “إخواننا”، وأن مساعدة الإنسان في وضع صعب لا ينبغي أن تنتظر اكتمال الإجراءات أو الحسابات.
لكن أكثر المبادرات دلالة على طبيعة هذا التضامن، وفق ما عاينته “العمق” من داخل المدينة، تتمثل في الجهود التي بذلها سكان مغاربة لحماية النساء والفتيات اللواتي وجدن أنفسهن في وضع بالغ الهشاشة داخل المدينة.
فبعد ورود معطيات عن تعرض بعض الفتيات لاعتداءات جنسية، بادر متطوعون من السكان إلى تجهيز ملعب صغير لكرة القدم وتحويله إلى فضاء مؤقت لجمع النساء والفتيات وحمايتهن، في انتظار تدخل السلطات المحلية لتوفير شروط أكثر ملاءمة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الفضاء جرى تسييجه وتجهيزه بشكل أولي، فيما ينتظر السكان دعما من البلدية والسلطات المحلية لتسقيفه وتجهيزه بالمرافق الصحية اللازمة.
يوضح عبد السلام أن وضع النساء والفتيات “صعب جدا”، خصوصا في ظل غياب الأسرة والأفرشة والظروف الطبيعية للنوم، وهو ما دفع السكان إلى اعتبار حمايتهن أولوية لا تقل أهمية عن توفير الغذاء.
وخلالها جولها بالمدينة، التقت “العمق” بعشرات الأسر المغربية التي فتحت بيوتها للمهاجرين، وأطعمتهم، ووفرت لهم الماء والملابس والأغطية، بل وقدمت لبعضهم المال، رغم أن هذه المبادرات لم تكن دائما خالية من المخاطر بالنسبة إلى أصحابها.
ضمن هؤلاء، كانت أم لطفلين كرست أيامها لإيواء عدد من القاصرين ومساعدتهم، ولم تتمالك دموعها وهي تتحدث لـ”العمق” عن ظروفهم ومعاناتهم، مشيرة إلى أنها تقضي معظم ساعات اليوم تقضي أغراضهم عبر سيارتها.
“كلنا مغاربة”.. هوية مشتركة
في حديثه لـ”العمق”، يختصر نائب رئيس جمعية الهلال الأبيض كثيرا من دوافع هذه التعبئة في عبارة واحدة: “كلنا مغاربة”.
بالنسبة إلى هؤلاء السكان، فإن ما يجري لا يتعلق فقط بمهاجرين وصلوا إلى سبتة، وإنما بأشخاص ينحدرون من بلد واحد، وجدوا أنفسهم في وضع استثنائي، وهو ما جعل عددا من المغاربة المقيمين في المدينة يشعرون بأن مسؤوليتهم الإنسانية تقتضي التدخل.
هذه الروح، بحسب عبد السلام، دفعت عشرات المتطوعين إلى العمل يوميا، ليس فقط في توزيع المساعدات، وإنما أيضا في تنظيم الحشود، ومراقبة أوضاع النساء والقاصرين، ومحاولة توجيه من يحتاجون إلى المساعدة نحو الأماكن المناسبة.
يضيف المتحدث إن سكان المدينة “ضحوا بأموالهم وصحتهم وجهدهم” لمساعدة الوافدين، معتبرا أن هذه المبادرات تمثل، بالنسبة إليه، أحد أوجه التضامن التي تميز المغاربة في الأزمات.
غير أن هذه التعبئة الأهلية، رغم حجمها، لا تستطيع أن تحل محل المؤسسات الرسمية، فالأعداد الكبيرة التي وصلت إلى سبتة خلال فترة وجيزة وضعت السكان والمتطوعين أمام تحد يتجاوز بكثير قدرة المبادرات المدنية.
يشير عبد السلام إلى أن التعامل مع هذه الأعداد “يمكن أن يكون ممكنا خلال شهر”، لكن استيعابها في ظرف ساعات يجعل الأمر “صعبا جدا”.
وتظهر هذه الحدود في حجم الاحتياجات اليومية، وفي صعوبة توفير أماكن للنوم والاستحمام والمرافق الصحية، فضلا عن الحاجة إلى الرعاية الطبية والاجتماعية والنفسية.
كما أن استمرار وجود آلاف المهاجرين في الشوارع وبعض الأحياء خلق، بحسب رواية المتطوعين، ضغوطا إضافية على السكان أنفسهم، بعدما أصبحت بعض الفضاءات العامة، وحتى المقابر، أماكن يلجأ إليها مهاجرون بحثا عن مأوى.
سلوكيات معزولة
ولا تخفي رواية سكان سبتة المغاربة أن الأزمة حملت معها أيضا بعض الوقائع السلبية، من بينها أعمال سرقة واعتداءات نسبت إلى عدد من الوافدين.
لكن عبد السلام يشدد على ضرورة عدم تعميم هذه السلوكيات على جميع المهاجرين، معتبرا أن بعض المتورطين فيها يمثلون حالات معزولة، وأن من بينهم أشخاصا يعانون من الإدمان والانحراف، بينما يوجد في المقابل آلاف المهاجرين الذين يحتاجون إلى الحماية والرعاية.
وهذه النقطة تحديدا تضع سكان المدينة أمام معادلة دقيقة، مساعدة المهاجرين وحمايتهم من جهة، وحماية السكان والحفاظ على الأمن والنظام العام من جهة أخرى.
ومن هنا، يبدو أن المبادرات المدنية لم تكن فقط محاولة لتقديم المساعدة، بل أيضا وسيلة لتقليل الاحتكاك والتوتر، عبر تنظيم وجود المهاجرين ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وبالنسبة إلى سكان سبتة المغاربة الذين عاشوا الساعات الأولى للأزمة، فإن حجم ما حدث يصعب اختزاله في أرقام، فالمدينة التي لا يتجاوز عدد سكانها 84 ألف نسمة وجدت نفسها، بحسب الإحصائيات الرسمية، أمام تدفق بشري ضخم خلال فترة زمنية قصيرة، عاد معظمهم إلى المغرب خلال أقل من 48 ساعة.
يقول عبد السلام إن السكان في اليوم الأول “تفاجؤوا وخافوا” مما شاهدوه في الشوارع، وإن هول المشهد جعلهم يتوقعون وقوع عشرات الضحايا.
ومع عودة أغلب الوافدين إلى المغرب خلال وقت وجيز، بقي في المدينة آلاف آخرون، بينهم قاصرون ونساء وفتيات ومهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، لتبدأ مرحلة مختلفة من الأزمة: كيف يمكن توفير الحد الأدنى من شروط الحياة والحماية لأعداد كبيرة داخل مدينة محدودة المساحة والإمكانات.
المصدر:
العمق