في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن سبتة، بعد أيام قليلة من موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها يومي 30 و31 يوليوز، تشبه المدينة التي كانت قبلها، ففي الأزقة والشوارع، وعند محيط المناطق الحدودية، وفي عدد من الأحياء الشعبية، يبدو واضحا أن المدينة ما تزال تعيش على وقع تداعيات واحدة من أكبر موجات الهجرة التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة، بعدما وجد آلاف المهاجرين أنفسهم في واقع مختلف تماما عن الصورة التي حملتهم إليها وعود مواقع التواصل الاجتماعي والشائعات المتداولة بشأن إمكانية الاستقرار في إسبانيا.
وسط هذا المشهد، لا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الأمني أو السياسي، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية لآلاف الأشخاص الذين ما زالوا في المدينة، وفي مقدمتها الحاجة إلى الغذاء والماء ومكان آمن للنوم، خصوصا بالنسبة إلى القاصرين والنساء والفتيات.
وفي قلب هذه الأزمة الإنسانية، تحولت مبادرات عدد من السكان المغاربة المقيمين في سبتة إلى خط إغاثة مواز، بعدما انخرطوا، بشكل تطوعي، في عمليات إطعام وإيواء ومساعدة المهاجرين الذين بقوا عالقين داخل المدينة.
من بين أبرز هذه المبادرات، تلك التي تقودها جمعية الهلال الأبيض بسبتة، أحد أبرز هيئات الإغاثة والدعم في المدينة، والتي خصصت عشرات المتطوعين لتأمين الوجبات وتنظيم توزيعها في عدد من النقاط، في محاولة لسد جزء من الفراغ الذي خلفه التدفق المفاجئ والكبير للمهاجرين.
طوابير طويلة
تحت مسجد سيدي امبارك، أحد المساجد الرئيسية في سبتة، تبدأ الحكاية يوميا من جديد، حيث يتوافد مئات المهاجرين على مقر الجمعية، لتبدأ عملية تنظم صفوف طويلة لتوزيع الوجبات.
نساء، رجال، وقاصرون ينتظرون دورهم للحصول على وجبة ساخنة وقنينة ماء، فيما يحاول المتطوعون ضبط الطوابير وضمان وصول المساعدات إلى أكبر عدد ممكن.
خلال معاينة “العمق” للمكان، بدا حجم الإقبال واضحا، في مشهد يعكس حجم الاحتياجات التي خلفتها موجة الدخول الجماعي.
وبحسب مسؤولي الجمعية، يتم توزيع المساعدات الغذائية ثلاث مرات يوميا، تشمل وجبات الفطور والغداء والعشاء، بمعدل يقارب 5 آلاف وجبة يوميا، موزعة بين عدد من المواقع التي تشرف الجمعية على تزويدها بالغذاء.
ولا تقتصر هذه المساعدات على صنف واحد من الطعام، إذ تشمل وجبات ساخنة مثل العدس واللوبيا والمعكرونة، إلى جانب الحليب والبسكويت والكعك والتفاح والخبز واليوغورت وقنينات المياه، بحسب ما أوضحه مسؤولو الجمعية.
ويقول مصطفى محمد عبد السلام، نائب رئيس جمعية الهلال الأبيض بسبتة، إن الجمعية باتت تعمل في أربع نقاط مختلفة، في محاولة للوصول إلى الفئات الأكثر احتياجا.
النقطة الأولى توجد بمقر الجمعية أسفل مسجد سيدي امبارك، حيث يتم توزيع أكثر من ألفي وجبة يوميا، فيما توجد نقطة ثانية بمستودعات منطقة تاراخال الحدودية، حيث يتواجد، وفق الجمعية، نحو ألف قاصر وفتاة.
أما النقطة الثالثة فتوجد في أحد الأحياء الشعبية بالمدينة، بينما خصصت النقطة الرابعة للنساء والفتيات والقاصرات الموجودات في فضاء مؤقت أقامه السكان المغاربة لحمايتهن.
5000 وجبة يوميا
خلف هذا الرقم الكبير، توجد إمكانيات محدودة ومتطوعون يعملون لساعات طويلة، إذ يقول نائب رئيس الجمعية إن توفير نحو 5 آلاف وجبة يوميا يمثل الحد الأقصى الذي تسمح به الإمكانيات الحالية.
وأوضح مصطفى أن حوالي 40 في المائة من التمويل يأتي من بلدية سبتة، فيما يوفر المحسنون والمتبرعون باقي الموارد، سواء في شكل تبرعات مالية أو عينية.
“لا نستطيع أكثر، هذا ما تسمح به إمكانياتنا المادية حاليا”، يقول عبد السلام، وهو يتحدث عن حجم الاحتياجات المتزايدة.
ويضيف أن الجمعية تتكفل، بحسب تقديراتها، بإطعام جزء كبير من المهاجرين الذين ما زالوا في المدينة، بينما يساهم سكان سبتة من أصول مغربية في إيواء وإطعام آخرين، فيما توجد مبادرات أخرى تقدم المساعدة للمهاجرين الموجودين في مناطق مختلفة بالقرب من الحدود.
وبحسب تقديرات الجمعية، لا يزال نحو 8 آلاف مهاجر في سبتة، وإن كانت الأرقام المتعلقة بعدد الموجودين فعليا تختلف باختلاف مصادر الإحصاء وتطور عمليات تحديد الهوية والإيواء والإعادة.
من تاراخال إلى الشوارع
في مستودعات تاراخال، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا، فهناك يتواجد نحو ألف قاصر وفتاة، بينهم أشخاص لا يجدون مصادر منتظمة للغذاء، ما دفع المتطوعين إلى إدراج الموقع ضمن نقاط التوزيع اليومية.
لكن الأزمة لا تتوقف عند الطعام، فالكثير من المهاجرين لا يتوفرون على أماكن مناسبة للنوم، بينما تواجه النساء والفتيات ظروفا أكثر صعوبة بسبب غياب الأفرشة ومحدودية أماكن الإيواء والحماية.
يقول مسؤولو الجمعية إن بعض المهاجرين ظلوا في الشوارع والأحياء والمناطق المفتوحة، وهو ما جعل عددا من السكان يتحركون بصورة مباشرة لتقديم الطعام والماء ومحاولة توفير الحد الأدنى من الحماية.
وفي أحد الأحياء القريبة من مسجد سيدي امبارك، اتخذت مبادرة محلية طابعا أكثر خصوصية، حيث جرى تجهيز ملعب صغير لكرة القدم وتحويله مؤقتا إلى فضاء لاستقبال النساء والفتيات والقاصرات، بعدما ظهرت مخاوف بشأن سلامتهن في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها المدينة.
ويقول نائب رئيس جمعية الهلال الأبيض إن سكانا مغاربة بادروا إلى تسييج الملعب وتهيئته بهدف توفير مكان أكثر أمنا للفتيات والنساء، خصوصا بعد تداول معطيات بشأن تعرض عدد من المهاجرات لاعتداءات جنسية.
وتأتي هذه المخاوف في سياق تحقيقات أعلنت الشرطة الوطنية الإسبانية فتحها بشأن شكايات تتعلق باعتداءات جنسية، من بينها قضية قاصر وصلت إلى المدينة خلال موجة الدخول الجماعي.
وكانت مصادر إعلامية إسبانية قد تحدثت عن وصول عدد من هذه الحالات إلى القضاء، في وقت تواصل فيه السلطات عمليات تحديد هوية القاصرين وإدماجهم في منظومة الحماية.
ويأمل القائمون على المبادرة المحلية في أن يحظى هذا الفضاء بدعم أكبر من السلطات، بما في ذلك تسقيفه وتجهيزه بالمرافق الصحية، حتى يتمكن من توفير ظروف أكثر ملاءمة للنساء والفتيات الموجودات فيه.
صدمة الحشود
يختصر نائب رئيس الجمعية حجم الصدمة التي خلفتها موجة الدخول الجماعي بجملة واحدة: “هذه الحشود الهائلة يمكن التعامل معها في شهر، لكن في ظرف ساعات الأمر صعب جدا”.
فبحسب روايته، لم يكن سكان المدينة مستعدين لمشهد آلاف الأشخاص وهم ينتشرون في مناطق مختلفة في وقت قصير.
ويقول إن اليوم الأول كان بالنسبة إلى كثير من السكان لحظة صدمة وخوف، خصوصا أمام حجم التدفق، الذي قدرت بعض المعطيات المتداولة عدد المشاركين فيه ما بين 60 ألف و80 ألف شخص.
ويضيف أن السكان توقعوا في الساعات الأولى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، قبل أن تبدأ عمليات التدخل والمساعدة وعودة جزء كبير من الذين دخلوا إلى المغرب خلال فترة قصيرة.
وبحسب المسؤول الجمعوي، فإن غالبية الذين دخلوا غادروا نحو المغرب خلال أقل من 48 ساعة، بعد أن اكتشفوا أن الواقع مختلف عما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرا أن جزءا من المأساة ارتبط أيضا بالمعلومات المضللة التي سبقت عملية الدخول الجماعي.
ويقول عبد السلام إن عددا من المهاجرين دخلوا سبتة بناء على اعتقاد بأن إسبانيا ستمنحهم الإقامة أو تسمح لهم بالانتقال بحرية داخل البلاد وأوروبا، وهي معلومات قال إنها انتشرت على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصا في أعقاب تداول تأويلات مرتبطة بقرارات قضائية إسبانية.
لكن الواقع الذي وجدوه داخل المدينة كان مختلفا، خصوصا مع وجود إجراءات قانونية خاصة بسبتة، واستمرار عمليات تحديد الهوية والإيواء والإعادة.
وبالنسبة إلى الجمعية، فإن المفارقة تكمن في أن أشخاصا قطعوا مسافات طويلة للوصول إلى المدينة وجدوا أنفسهم بعد ذلك أمام طوابير الطعام، وأماكن إيواء محدودة، وانتظار طويل، بدلا من الصورة التي رسمتها لهم منصات التواصل.
مأساة إنسانية وتضامن مغربي
لا يخفي مسؤولو الجمعية أن الأزمة خلفت أيضا مظاهر سلبية وسلوكات اعتداء وسرقة، غير أنهم يشددون على ضرورة عدم تعميمها على جميع المهاجرين.
ويقول عبد السلام إن بعض الأحياء شهدت أوضاعا صعبة، كما أن غياب المرافق الصحية في بعض الأماكن تسبب في انتشار الروائح وتدهور الظروف الصحية، بينما لجأ بعض المهاجرين حتى إلى محيط المقبرة باعتبارها فضاء يمكن الاحتماء فيه.
لكن، بالنسبة إليه، فإن هذه السلوكات تظل مرتبطة بأفراد ولا تمثل آلاف المهاجرين الذين وجدوا أنفسهم في ظروف استثنائية.
ويضيف أن عددا من المهاجرين الذين بقوا في سبتة ينحدرون من مناطق بعيدة عن شمال المغرب، كما أن بين الموجودين أشخاصا يعانون من الإدمان أو يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة، وهو ما يزيد من تعقيد عملية تدبير الأزمة وحماية باقي المهاجرين.
وراء كل هذه التفاصيل، يصر مسؤولو جمعية الهلال الأبيض على أن دافعهم الأساسي ليس سياسيا، وإنما إنساني.
“هؤلاء إخواننا”، يقول عبد السلام، معتبرا أن الروابط التي تجمع سكان سبتة المغاربة بهؤلاء المهاجرين دفعتهم إلى التحرك منذ الساعات الأولى.
ويقول إن سكان المدينة ساهموا بأموالهم ووقتهم وجهدهم من أجل إطعام وإيواء ومساعدة الآلاف، معتبرا أن ما قام به السكان المغاربة يعكس، في نظره، “الروح الإيجابية” والتضامن بين المغاربة في لحظة وصفها بأنها من أصعب اللحظات التي عاشتها المدينة.
ويعترف في الوقت نفسه بأن حجم الأزمة أنهك المتطوعين نفسيا وجسديا، قائلا إن ما وقع “مأساة حقيقية” أثرت في السكان والمهاجرين والسلطات على حد سواء.
من جانبه، وجه مصطفى عبد القادر محمد، رئيس جمعية الهلال الأبيض، رسالة شكر إلى جريدة “العمق” وإلى الصحافة التي قال إنها تعمل على نقل الصورة الحقيقية لما يجري في سبتة.
وأكد أن ما يبذله السكان المغاربة في المدينة، بحسب تعبيره، “أمر عظيم”، بالنظر إلى ما يقدمونه من أموال وجهد وطاقة من أجل الإطعام والرعاية والإيواء.
ودعا رئيس الجمعية إلى مزيد من الصمود والتضامن من أجل تجاوز تداعيات الأزمة، مشددا على أن المرحلة الحالية تحتاج إلى تضافر جهود السكان والمتطوعين والسلطات والمؤسسات المعنية.
المصدر:
العمق