أكد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، أن مشروع قانون التصفية برسم تنفيذ قانون المالية لسنة 2024 يمثل محطة دستورية وسياسية أساسية لتقييم الأداء العمومي واستخلاص الدروس الكفيلة بتحسين تدبير المالية العامة، مشددا على أن هذا الورش يعكس مسارا إصلاحيا متواصلا عرفته المملكة خلال العقود الأخيرة.
وخلال جلسة الدراسة والتصويت على مشروع القانون أمام لجنة مراقبة المالية والحكامة بمجلس النواب، سجل لقجع أن المغرب حقق تطورا نوعيا في مجال إعداد قوانين التصفية، بعدما كانت تصدر بفارق زمني قد يصل إلى عشر سنوات، في حين أصبحت اليوم تعرض على البرلمان بعد أقل من سنة ونصف من انتهاء السنة المالية، معتبراً أن هذا التحول يعد مكسبا مؤسساتيا يعزز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأوضح الوزير أن قانون التصفية لم يعد مجرد وثيقة محاسباتية، بل أصبح مصحوبا بمجموعة من التقارير التفصيلية التي تمكن البرلمان من تقييم تنفيذ السياسات العمومية بصورة دقيقة، فضلا عن الدور المتنامي للمجلس الأعلى للحسابات في المصادقة على الحسابات، من خلال تعاون متواصل مع مصالح وزارة الاقتصاد والمالية، بما يعزز جودة التدقيق والمراقبة.
ودعا لقجع إلى جعل مناقشة قانون التصفية مناسبة سياسية لتقييم حصيلة تنفيذ البرامج العمومية وتصحيح الاختلالات، بعيدا عن الأحكام المتسرعة أو الخطابات المتطرفة، مؤكدا أن النقاش الموضوعي والمرتكز على المعطيات الدقيقة من شأنه تعزيز ثقة الرأي العام في المؤسسات.
وفي معرض حديثه عن الوضعية الاقتصادية، أكد الوزير أن الاقتصاد المغربي أبان عن قدرة كبيرة على الصمود أمام الأزمات المتتالية، سواء خلال جائحة كوفيد-19 أو في ظل التوترات الجيوسياسية وتداعيات الجفاف، معتبرا أن هذا الصمود هو ثمرة الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي باشرتها المملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ونفذتها الحكومات المتعاقبة.
وأشار إلى أن تنويع الاقتصاد الوطني، خاصة عبر تطوير قطاعات السيارات والطيران والصناعات التصديرية، ساهم في تقليص هشاشة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الخارجية، مبرزا أن الإصلاحات التي همت القطاع البنكي والمالي وقطاع التأمينات عززت متانة المالية العمومية.
وفي هذا السياق، أكد لقجع أن المؤشرات المالية للمملكة تواصل التحسن، موضحا أن الحكومة تتجه إلى تقليص عجز الميزانية إلى نحو 3 في المائة، مع التحكم في مستوى المديونية واستمرار ارتفاع الموارد العادية للدولة، وهو ما يوفر هوامش أكبر لتمويل السياسات العمومية والاستثمارات التنموية.
وبخصوص ورش الحماية الاجتماعية، شدد الوزير على أن الحكومة حققت تقدما كبيرا في تنزيل المشروع الملكي، لاسيما من خلال تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض وتحمل الدولة اشتراكات ملايين المستفيدين، مؤكدا أن هذا الورش يشكل إصلاحا هيكليا غير مسبوق يتطلب التراكم والتطوير المستمر.
وأوضح أن عددا من الإشكالات المطروحة ترتبط بطبيعة منظومة الاستهداف الاجتماعي وآليات تحديد المستفيدين، معتبرا أن تطويرها مستقبلا ينبغي أن يرتكز بشكل أكبر على مستوى دخل الأسر، بالتوازي مع مواصلة إصلاح القطاع غير المهيكل وتعزيز منظومة التصريح بالمداخيل.
وأكد لقجع أن الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة الأسر يمثل خطوة مهمة في مسار الحماية الاجتماعية، غير أنه لا يشكل وحده حلا نهائيا لمحاربة الفقر، مشددا على ضرورة مواصلة السياسات الرامية إلى الإدماج الاقتصادي وخلق فرص الشغل وتحسين الدخل.
وفي تقييمه لتنفيذ الميزانية، أبرز الوزير أن معدل إنجاز الاعتمادات تجاوز 80 في المائة، معتبرا أن هذه النسبة تعكس مستوى إيجابيا في تنفيذ المشاريع العمومية، موضحا أن نسبة الإنجاز الكاملة تبقى غير ممكنة بالنظر إلى طبيعة المشاريع الاستثمارية الكبرى التي يمتد تنفيذها على عدة سنوات.
كما أقر بوجود تحديات لا تزال مطروحة في عدد من القطاعات الاجتماعية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، رغم حجم الاستثمارات المنجزة لتوسيع العرض الصحي وتطوير البنيات التحتية وتعميم كليات الطب وتعزيز الموارد البشرية، معتبرا أن المرحلة المقبلة تستوجب التركيز على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأكد لقجع أن الإصلاحات الكبرى لا يمكن تقييمها بمنطق زمني ضيق، لأنها مشاريع استراتيجية تتطلب التدرج والتراكم، مشددا على أن الحكومة أنجزت أشواطا مهمة في مجال التشريع والتنزيل، فيما لا تزال أوراش أخرى تتطلب مواصلة العمل والتطوير، بما يضمن الارتقاء بجودة السياسات العمومية وتحقيق التنمية المنشودة.
المصدر:
العمق