آخر الأخبار

“خرجوا بالطائرة واختفوا في الجزائر”.. قصة دواوير بالعرائش تنتظر عودة عشرات شبابها المفقودين (فيديو)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن صباح دوار الهيايضة، التابع لجماعة العوامرة بإقليم العرائش، يشبه أي صباح قروي عادي، فبدل أحاديث الفلاحة والمواسم الزراعية، كانت أسماء عشرات الشباب الغائبين تتردد على ألسنة السكان، فيما كانت نظرات الأمهات والآباء تترقب أي خبر قد يبدد شهورا من القلق والانتظار.

ما إن وصل طاقم جريدة “العمق” إلى الدوار حتى انتشر خبر وجودها بين السكان، ليتحول وسط الدوار، في دقائق معدودة، إلى نقطة تجمع لعشرات الآباء والأمهات وأفراد الأسر المعنية، الذين وجدوا في حضور الصحافة فرصة لإيصال أصواتهم بعد أشهر من الانتظار.

ووفق المعطيات التي استقتها الجريدة من عائلات المعنيين، فإن عشرات الشباب المنحدرين من دواوير بجماعتي العوامرة والزوادة، أوقفتهم السلطات الجزائرية، بعدما غادروا المغرب قبل أسابيع في اتجاه تونس عبر رحلات جوية -باعتبارها لا تفرض التأشيرة على المغاربة-، على أمل مواصلة الرحلة نحو الجزائر، حيث كانوا يعتزمون ركوب قوارب للهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

وبحسب الروايات المتطابقة التي قدمتها الأسر للجريدة، فإن السلطات الجزائرية أوقفت أبناءهم قبل بلوغ وجهتهم، فيما تتداول العائلات أنباء عن شروع القضاء الجزائري في إصدار أحكام بالسجن لمدة سنة في حق عدد منهم، وهي معطيات لم يتسن لـ”العمق” التأكد منها لدى الجهات الرسمية.

المصادر ذاتها أوضحت أن دوار الهيايضة لا يمثل سوى جزء من هذه القصة، إذ سجلت دواوير أخرى بجماعتي العوامرة والزوادة حالات اختفاء مماثلة لشباب غادروا في الفترة نفسها، ما يجعل العدد الحقيقي للمعنيين غير معروف إلى حدود الساعة، وسط ترجيحات السكان بأنه قد يصل إلى عشرات الشباب.

ولم يكن ما حدث مجرد محاولة هجرة سرية أخرى، بل مسارا غير مألوف حتى بالنسبة لسكان المنطقة، الذين اعتادوا على محاولات العبور انطلاقا من السواحل الشمالية القريبة من سبتة المحتلة، أما هذه المرة، فقد جاءت الصدمة مضاعفة، بعدما اكتشف الأهالي أن أبناءهم اختاروا السفر جوا إلى تونس قبل التوجه إلى الجزائر، في رحلة يقول السكان إنها لم يسبق أن شهدت المنطقة مثيلا لها بهذا الشكل الجماعي.


حين غادر “الجميع”

خلال جولة قامت بها الجريدة داخل دوار الهيايضة الذي يُعد من أكثر الدواوير تضررا في هذا الملف، تكررت الرواية نفسها في معظم البيوت التي زارتها، فقد أكد الآباء أن أبناءهم لم يغادروا بعد خلاف عائلي أو بسبب ظروف معيشية قاهرة، بل خرجوا من منازلهم كما يفعلون كل يوم، دون أن يخبروا أحدا بأنهم قرروا خوض رحلة هجرة سرية غير معهودة، بعضهم غادر مباشرة من مقر عمله، وآخرون خرجوا صباحا وعادوا غائبين، لتبدأ بعد ذلك رحلة بحث طويلة لم تفض، إلى اليوم، إلى أي معلومة رسمية تطمئن العائلات.

واللافت، بحسب شهادات استقتها “العمق”، فإن معظم هؤلاء الشباب لم يكونوا عاطلين عن العمل، بل كانوا يزاولون أنشطة مختلفة، أغلبها مرتبطة بالفلاحة أو أعمال موسمية، وهو ما جعل اختفاءهم المفاجئ يثير استغراب ذويهم، ففي كل بيت تقريبا، كان الآباء يرددون العبارات نفسها: “كان يشتغل”، “لم يكن ينقصه شيء”، “لدينا أرض نعيش منها”، في محاولة للتعبير عن صدمتهم من قرار لم يسبق أن لمح إليه أبناؤهم، ولم يتركوا بشأنه أي تفسير.

داخل أحد المنازل البسيطة، لم يستطع أحد الآباء أن يبدأ حديثه مع “العمق”، فما إن نطق بالكلمات الأولى حتى غلبته دموعه، واختنقت الكلمات في حلقه وهو يحاول مقاومة مشاعر الحنين والخوف على ابنه المفقود، قبل أن يعتذر للجريدة عن عدم متابعة التصريح.

وبجواره، استجمع أب آخر طاعن في السن وعلامات المرض واضحة على وجهه، أنفاسه، قبل أن يسترجع بصعوبة تفاصيل اليوم الذي غادر فيه ابنه، البالغ من العمر ثلاثين سنة، تاركا وراءه زوجة وثلاثة أطفال، إضافة إلى والدين مريضين كان يعيلهما.

يقول الرجل في حديثه لـ”العمق”، إن ابنه خرج قبل نحو عشرة أيام من نهاية شهر رمضان المنصرم، كما اعتاد أن يفعل، دون أن يثير أي شكوك، قبل أن ينقطع أثره بشكل كامل.

ولم تعلم الأسرة، بحسب روايته، سوى بعد أسابيع، من خلال اتصال تلقته من أحد الشباب الذين قالوا إنهم كانوا ضمن المجموعة نفسها، بأن ابنه يوجد ضمن من أوقفتهم السلطات الجزائرية.

ويؤكد الأب أن ابنه كان يشتغل بشكل عادي، ولم يكن يعاني من البطالة أو الحاجة، قائلا بحرقة: “لم يكن ينقصه شيء.. خرج وتركنا في وضع لا يوصف.. والدته أصبحت طريحة الفراش، وأنا مريض ولا أستطيع تدبير أموري بدونه”.

من جانبه، روى قاسم، والد أحد الشباب المختفين، أن الأسرة تعيش منذ أربعة أشهر على وقع الانتظار، مضيفا أن كل ما تعرفه عن مصير ابنها مصدره اتصالات من شباب قالوا إنهم تمكنوا من مغادرة الجزائر أو الوصول إلى أوروبا، وأخبروهم بأن عددا من أبناء الدوار اعتقلوا، وأن بعضهم أحيل على القضاء.

وشير الرجل، على غرار باقي الآباء، إلى أن العائلات لم تتوصل بأي إشعار رسمي يحدد وضعية أبنائها أو مكان احتجازهم، كما لم تتلق أي تواصل من الجهات المختصة يوضح لها الإجراءات الممكنة، موضحا أن جميع الشباب المختفين غادروا في الفترة نفسها.

ورغم مرور أشهر على اختفاء أبنائهم، يوضح الآباء أنهم لا يملكون أي معطيات حول الجهة التي وقفت وراء هذه الرحلة الجماعية، ويقولون إنهم لا يعلمون ما إذا كان الشباب قد نسقوا فيما بينهم بشكل فردي، أم أن شبكة متخصصة في الهجرة السرية أو أطرافا أخرى كانت وراء تنظيم هذا المسار، مؤكدين أن كل ما يعرفونه هو أن أبناءهم غادروا في الفترة نفسها، واختفت أخبارهم في التوقيت ذاته تقريبا.

عبارة تختصر الوجع

داخل تجمع العائلات وسط الدوار، تتكرر الجملة نفسها: “لا نعرف مصير أبنائنا”، إذ يقول أحد الآباء إن ابنه البالغ من العمر 23 سنة كان يشتغل بشكل طبيعي، قبل أن يختفي دون سابق إنذار، مضيفا أن الأسرة لم تستطع الاحتفال بعيد الفطر ولا بعيد الأضحى بسبب استمرار الغموض.

وإلى جانب الغموض الذي يلف مصير الأبناء، تعيش الأسر حالة من الارتباك بسبب جهلها بالإجراءات القانونية الممكنة، إذ يؤكد عدد من الآباء أنهم لم يبادروا إلى أي مسطرة قضائية أو إدارية، ليس تقاعسا منهم، وإنما لكونهم ينحدرون من أسر قروية بسيطة لا تعرف كيف تتعامل مع ملف من هذا النوع.

ويروي أحد الآباء أن ابنه المقيم بإسبانيا أخبره بتلقي عرض من شخص قدم نفسه على أنه محام من الجزائر للتكفل بملف شقيقه مقابل مبلغ مالي، إلا أن الأسرة فضلت عدم التجاوب معه، خشية أن تكون محاولة احتيال في ظل غياب أي تأكيد رسمي بشأن وضعية الابن.

ورغم اختلاف تفاصيل القصص من بيت إلى آخر، فإن القاسم المشترك بينها جميعا كان واضحا، فالعائلات لا تبحث اليوم عن تفسير لما حدث بقدر ما تبحث عن خبر موثوق يضع حدا لحالة الانتظار التي تعيشها منذ أشهر.

وعلى امتداد اللقاءات التي أجرتها “العمق”، لم تحمل العائلات أي مطالب أخرى غير معرفة مصير أبنائها، مناشدة الملك محمد السادس التدخل من أجل إعادة أبنائها إلى أرض الوطن.

كما تطالب الأسر بدخول السلطات المغربية على الخط، وتحرك وزارة الخارجية لمعرفة مصير المفقودين، موضحين أن أكثر ما يثقل كاهلهم ليس فقط احتمال وجودهم رهن الاعتقال، بل استمرار الغموض الذي يجعل كل يوم يمر شبيها بسابقه.

ويؤكد الآباء الذين التقتهم “العمق”، أنه في الوقت الذي تستمر فيه الحياة في الدوار على إيقاع الحقول والمواسم الزراعية، يبقى الزمن، بالنسبة لعشرات الأسر، متوقفا عند ذلك اليوم من شهر رمضان الذي غادر فيه أبناؤهم دون وداع، تاركين وراءهم سؤالا واحدا لا يزال يتردد في كل بيت: “أين أبناؤنا؟”.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا