آخر الأخبار

بين القانون والمغالطة: قراءة دستورية في الجدل حول توقيع المراسيم

شارك

رشيد اللك

أثار ما نشره أحد المواقع الالكترونية بشأن توقيع أحد المراسيم الحكومية نقاشا قانونيا وسياسيا، غير أن مضمون المادة المنشورة يعكس قراءة غير دقيقة لمقتضيات دستور المملكة، ولا سيما المادة 90، التي تؤطر بشكل واضح كيفية ممارسة السلطة التنظيمية داخل الجهاز التنفيذي.

ففي القضايا الدستورية، لا يكفي الاكتفاء بقراءة معزولة لنص قانوني أو اجتزائه من سياقه، لأن تفسير الدستور يقتضي استحضار فلسفته العامة، وتكامل مقتضياته، والقواعد المؤطرة لعمل الحكومة، ومن ثم، فإن أي تأويل يبتعد عن هذه المنهجية يتحول إلى مجرد انطباع لا يرقى إلى مستوى التحليل القانوني الرصين.

لقد نصت المادة 90 من الدستور صراحة على أن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية، مع إمكانية تفويض بعض سلطه إلى الوزراء، ويترتب عن هذا المقتضى الدستوري أن الوزراء يوقعون بعض المراسيم بالعطف أو بناء على تفويض، في حدود الاختصاصات المخولة لهم قانونا، وهذه الآلية ليست استثناء ولا خرقا للدستور، وإنما تجسيد لمبدأ توزيع الاختصاصات داخل السلطة التنفيذية، بما يضمن حسن سير المرافق العمومية واستمرارية عمل الإدارة.

ومن هذا المنطلق، فإن محاولة تصوير توقيع وزير على مرسوم باعتباره مخالفة دستورية تكشف عن تجاهل واضح لمقتضيات المادة 90، وللقواعد المستقرة في القانون الدستوري والإداري، فالتوقيع بالعطف ليس تنازلا عن اختصاص رئيس الحكومة، ولا انتقالا للسلطة التنظيمية خارج الإطار الدستوري، وإنما هو وسيلة قانونية لممارسة الاختصاصات وفق ما يسمح به الدستور.

واللافت أن المقال المنشور أغفل التمييز بين السلطة التنظيمية باعتبارها اختصاصًا دستوريا أصيلا لرئيس الحكومة، وبين ممارسة بعض مظاهرها عن طريق التفويض أو التوقيع بالعطف، وهو تمييز جوهري يدرسه طلبة القانون في المراحل الأولى من تكوينهم الأكاديمي، ويشكل إحدى القواعد الأساسية في التنظيم الإداري والدستوري.

إن النقاش القانوني ينبغي أن يقوم على النصوص والاجتهادات والمبادئ الدستورية، لا على التأويلات السياسية أو العناوين المثيرة، فالإعلام يؤدي دورا أساسيا في تنوير الرأي العام، لكنه يكون مطالبا، أكثر من غيره، بتحري الدقة قبل إصدار أحكام قانونية قد تؤدي إلى نشر معلومات غير صحيحة أو تقديم صورة مغلوطة عن المؤسسات الدستورية وآليات اشتغالها.

ولذلك، فإن الاختلاف في الرأي يبقى مشروعا، لكن الخلاف لا يبرر تجاهل النصوص الدستورية أو تفسيرها خارج سياقها. فدولة القانون والمؤسسات تقوم على احترام الدستور والاحتكام إليه، وليس على تأويلات انتقائية تخدم موقفا معينا.

وفي الختام، فإن المادة 90 من الدستور جاءت واضحة ولا تحتمل اللبس؛ فهي تمنح رئيس الحكومة صلاحية ممارسة السلطة التنظيمية، مع إمكانية تفويض بعض سلطه إلى الوزراء. وبالتالي، فإن توقيع الوزراء لبعض المراسيم بالعطف أو بموجب التفويض يعد ممارسة دستورية سليمة، مستقرة في العمل الحكومي، ولا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال خروجًا عن أحكام الدستور. ومن ثم، فإن أي قراءة تتجاهل هذه الحقيقة القانونية تبقى قراءة ناقصة، تفتقر إلى السند الدستوري السليم، ولا تسهم في إثراء النقاش العمومي أو ترسيخ الثقافة القانونية.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا